ما الذي يجعل المرأة المعنفة تسكت عن حقها؟

كشفت قضية مقتل الشابة “آيات الرفاعي” في دمشق على يد زوجها وذويه في منزلهم مطلع العام الحالي، خطر العنف المنزلي الذي تتعرض له عشرات النساء من قبل أزواجهن بشكل مستمر، والذي انتهى بقضية “الرفاعي” إلى موتها، نتيجة ارتطام رأسها بجدار الغرفة بشكل متعمد من قبل زوجها.

تعالت الأصوات بعد مقتل الشابة، لتروي قصصاً مشابهة لما تتعرض له النساء من ظلم وتعنيف ومعاملة سيئة، في البيئة التي من المفترض أن تكون أكثر الأماكن أمانا لها ولصحتها الجسدية والنفسية.

بيتك قبرك

“رؤى 18 عام” اسم مستعار لفتاة من قرى ريف دمشق، تروي لمنصة SY24 تعرضها للضرب والعنف الجسدي واللفظي على يد زوجها وأمه، بعدما كانت ضحية زواج “البدائل” أو المقايضة المعروف في قريتهم، وهو قبول الرجل كصهر العائلة مقابل تزويج أخته أيضاً لذات العائلة، وله عواقب كثيرة تنعكس على الأسرتين بشكل سلبي في حال حدوث مشاكل أو عدم اتفاق لأي من العائلتين.

تقول لنا: “لا أجرؤ على التعبير عن خوفي أو البوح عن الضرب الذي أتعرض له، بسبب خوفي من ردة فعل أهلي، وخربان بيتي وبيت أخي بالوقت نفسه، كما أن أمي أخبرتني أن بيتي قبري ولا يوجد شيء عندنا اسمه طلاق!”.

تقول الناشطة الحقوقية “تهاني عمر” عاملة في مجال العنف الأسري في أحد منظمات المجتمع المدني في حديث خاص لمنصة SY24، إن “الموروث الاجتماعي والعادات والتقاليد تكبل الفتاة وتمنعها من الإفصاح عما تتعرض له من عنف وظلم، وعدم مطالبتها بحقوقها كالحياة الآمنة أو الطلاق”.

وأضافت أنها “استمعت لعشرات القصص من النساء المعنفات خلال عملها في التوعية عن العنف ضد المرأة، وكانت أغلبها لنساء تحملوا العنف إما خوفاً من وصمة الطلاق أو ضعف الشخصية وعدم الاستقلال المادي وتحمل مسؤولية الأطفال في ظل الحياة المعيشة الصعبة”.

 

لماذا لا تلجأ المعنفات إلى القانون؟

يدور هذا السؤال في ذهن من يشاهد ويسمع عشرات قصص العنف، لماذا لا تشتكي تلك النسوة على من يسبب لهن الأذى والعنف، وتتكتم المرأة على ضربها في غالبية الحالات، ولا يحدث الصدى إلا بعد وقوع جريمة قتل تكون ضحيتها المرأة الساكتة عن حقها خشية الطلاق.

يرجع المحامي “علاء دياب” الصمت والسكوت على معظم حالات العنف إلى المنظومة الاجتماعية المحيطة بالمرأة وخوفها من ردة فعل المجتمع السلبية نحوها في حال لجأت للقانون لأخذ حقها، يقول لمنصة SY24: “لا يوجد نص قانوني يمنع المرأة من تقديم شكوى في حال تعرضت للعنف من أي شخص كان، ولكن السبب الرئيسي هو ضعف الثقافة القانونية والجهل بحقوق المرأة، وسيطرة العادات والتقاليد والتربية المجتمعية على الأسرة التي تفضل الصبر والصمت وتقبل العنف على الطلاق، وما تزال بعض الأسر تعتبر الطلاق وصمة اجتماعية لا ترضى به بأي شكل”.

وأضاف أن الشكوى تعني الطلاق الحتمي، وهذا يجعل المرأة تفضل الصمت خوفاً من الطلاق، خاصة أن الأحوال المعيشية الصعبة التي يعاني منها غالبية السوريين، وعدم الاستقلال المادي للمرأة، يعزز هذا الوضع.

تبرير العنف

كذلك وجود أطفال والخوف من تشتت الأسرة وتأثرهم في حال انفصال الزوجين، يجعل المرأة تتحمل العنف دون التفكير بحل آخر، هذا ما فضلته الشابة “رحاب 26 عام” من ريف دمشق بعد عشر سنوات من زوجها، رغم كل العنف والضرب الذي تتلقاه على يد زوجها بسبب عصبيته الزائدة كما قالت تبرر “رحاب” سلوك زوجها السيء، تقول لنا إن “معاملته السيئة لي، وسرعة غضبه نتيجة عمله لساعات طويلة وقاسية، خلال النهار، ونتيجة الظروف المعيشة الصعبة التي تدفعه إلى الغضب والضرب على أتفه الأسباب”.

لا تفكر “رحاب” التي تزوجت قبل إنهاء تعلميها الإعدادي، أن تشتكي أو تطلب الطلاق، فوضع أهلها المادي لا يسمح بعودتها مطلقة مع أطفالها، وكذلك لا يمكنها التخلي عنهم والعودة لوحدها.

“رحاب” واحدة من مئات الفتيات اللواتي كنّا ضحية الزواج المبكر والقسري، تقول “تهاني”: إن حرمان الفتاة من حقها في التعليم ومن تأمين عمل خاص بها يصقل شخصيتها ويجعلها قوية قادرة على خوض الحياة الأسرية، جعلها ضحية القبول بأول عريس يتقدم لها، بحجة الستر أو تماشياً مع موروث ثقافي معين بيئة ما، كخشية العنوسة أو جلب العار لأهلها.