قصة نجاح في زمن الحرب

“على الرغم من تفوقي ومطالبة المعلمين لوالدي بالسماح لي بإكمال تعليمي، إلا أنه اتخذ قراره بمنعي من التعليم، وكان للعادات والتقاليد دور كبير في ذلك”.

بهذه الكلمات بدأت “نور الشمس” سرد حكايتها وقصة نجاحها الذي تعتقد أنها لم تحققه بعد وتطمح لإن تُكمل مسيرة العطاء الذي تملكه في داخلها.

“نور” سيدة تنحدر من الحسكة، متزوجة في مدينة الرقة، من مواليد 1979، لم تستسلم للظروف القاسية التي مرت بها منذ إجبارها على ترك مقاعد الدراسة، لتنتقل بشكل مباشر لبيت الزوجية وهي بعمر السادسة عشر ربيعاً فقط”.

وفي مقابلة خاصة مع مراسل منصة  SY24 استرسلت نور في الحديث عن طموحاتها قبل الزواج، بأن تُصبح طبيبةً ناجحة لكن الحالة الاجتماعية السائدة آنذاك، كان لها الكلمة الفصل في الأمر، ولا ترى أنها الضحية الوحيدة في ذلك بل هناك العشرات من أقرانها ممن أجبرن على ترك دراستهن والتفرغ للزوج والمنزل.

وتقول: “كنت سيدة منزل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لكنها ليست الحياة التي أطمح أن أعيشها وأكون عليها، كنت أعتقد أني أستطيع فعل الكثير لمساعدة مجتمعي ونفسي أيضاً إلا أن العادات والتقاليد ظلت تلاحقني”.

عانت “نور الشمس” من وجع كبير بعد الحرب، حيث فقدت منزلها ومحلها التجاري بشكل كامل إثر تعرضه للقصف، لكنها رأت في ذلك خيراً لها وخطوة أولى للانطلاق بأحلامها لتكون سيدة مجتمع تترك بصمة لها في الحياة.

باشرت فور عودتها مع ابنتيها وولدها وزوجها المريض ببناء منزل جديد، وحرفياً كانت تبني بيدها مع عمال البناء منزلاً جديداً، كان لها منطلق للاختلاط مع أولئك الذين فقدوا منازلهم لتشعر بمأساتهم وتعاستهم كما تقول.

واستطاعت أن تنطلق بمهنة مصبغة للملابس التي كانت حكراً على الرجال فقط، ولتعمل بها بشكل مباشر لمساعدة عائلتها في تخطي الضائقة المادية التي مروا بها.

انضمت أيضا إلى جمعية خيرية تطوعية لمساعدة الفقراء والمحتاجين لأنها كانت الأقرب لهم يوماً ما، كما قالت، وهنا كانت أولى بصماتها في العمل الإنساني الذي تشتهر به اليوم نور الشمس في الرقة.

العشرات من الحالات الإنسانية عاينتها مع فريقها، عمليات جراحية، صرف أدوية لمرضى السرطان وغيرها من الحالات، كانت “نور” سباقة لأن تكون حاضرة عندها، لتبقى وحيدة بعد خروجها من الجمعية، لتستمر كناشطة إنسانية تُقدم ما تستطيع إليه سبيلاً كما عبّرت حتى على صفحتها الشخصية على الفيسبوك، كانت تناشد وتسلط الضوء على معاناة الكثيرين ممن عاينت حالتهم.

انضمت “نور” إلى فريق إنساني آخر ليكونوا كف الخير الذي يمتد إلى الفقراء من جديد، وصلة الوصل بين من يود تقديم المساعدة وبين مستحقيها الذين يعرفون نور وتعرفهم منذ خروج المدينة من حالة الحرب التي عاينتها وشهدتها.

وتضيف “نور” في حديثها، “أطمح أن أؤسس مركزاً لمعالجة مرضى السرطان لما يعانوه من آلام كثيرة وظروف اقتصادية صعبة جداً، وأيضاً من اجل صديقي الطفل المصاب بالسرطان الذي أقوم برعايته الآن”.

تشتهر اليوم “نور الشمس” في مدينة الرقة بعملها الإنساني بشكل كبير، لدرجة إطلاق الكثير من الألقاب والأوصاف عليها كسيدة السلام، زيزفونة الفرات وشمس الرقة وغيرها من الألقاب التي يحاول من يطلقها التعبير لها عن امتنانه لما تقوم به في سبيل مساعدتهم وتسليط الضوء عليهم.

الشعر، النثر والقصص كان سمةً أخرى تتميز بها “نور” على الرغم من تركها لدراستها مبكراً، إلا أن شغفها بالدراسة والتعليم تمخض عنه كتابة النثر والخطابة اللذان استعانت بهما لتسليط الضوء على معاناة الناس في الرقة.

وفي السياق، تقول: “لطالما أحببت الشعر والنثر والقراءة لأني أجد نفسي هنالك بين الحروف والكلمات، وأرى أنها تعبر عني وأنا صامتة، ربما لأن الحروف المكتوبة أكثر جرأة من اللسان أحياناً”.

تحاول “نور” اليوم أن تُعوض خسارتها لتعليمها قليلاً بتقديم الدعم لابنتها الطامحة لأن تُصبح صحفيةً يُشار إليها بالبنان، وتساندها بكل ما يتوفر لها من دعم معنوي ومادي، فاتحةً لها المجال لتحقيق حلمها بحمل الكاميرا في مدينة ينظر بعض أناسها إلى العمل الصحفي بالصعب على الإناث ولا يليق بهن.