في موسم صنعها.. مطابخ السوريين تخلو من المونة

تكاد تغيب طقوس موسم تحضير المؤنة الصيفية عند معظم العائلات في الشمال السوري، بسبب تردي الوضع المعيشي لشريحة واسعة من الأهالي، بعدما حرمتهم ظروف النزوح التي رافقتهم طيلة السنوات الماضية من تحضيرها في منازلهم وحقولهم، التي كانوا يعتمدون عليها في صنع مؤنتهم كنوع من الاكتفاء الذاتي، وبيع الفائض للآخرين من أهل المنطقة، إذ كانت لا تخلُ أسرة ريفية أو في المدينة من مختلف أصناف المؤنة في مطابخها، كجزء من أساليب المعيشية التي تعيينهم في أيام الشتاء.

تحرص السيدة الخمسينية “أم عباس” نازحة من ريف إدلب الجنوبي، إلى بلدة عقربات شمال إدلب، على صنع مؤنة منزلها من مادتي الجبن واللبن والأصناف الأخرى التي تصنع من الحليب فور انتهائها من بيع معارفها وزبائنها الذين اعتادوا على الشراء من عندها.

يقصد الأهالي عادةً، مربي الماشية لشراء مؤنتهم  للشتاء من الجبن واللبن والدوباركي وغيرها من الأصناف التي تصنع من الحليب، كما جرت العادة سابقاً، إلا أن الغلاء الفاحش وانخفاض مستوى الدخل لشريحة واسعة منهم جعلهم يتخلون عن شراء كميات كبيرة من المونة والاكتفاء بكمية قليلة فقط.

تملك عائلة “أم عباس”عدداً من الأغنام التي كان لها نصيب من النزوح معها من بلدة حاس في ريف إدلب الجنوبي إلى عقربات مكان سكنها الحالي، حيث تعيش اليوم هي وعائلتها هناك وتعتمد عليهم في مصدر دخلها. 

تخبرنا، أنها متعلقة بتربية الأغنام ولم تتخلَ عنهم في أكثر الظروف صعوبة حين النزوح والقصف الذي طال بلدتهم، بل كانت تسعى لتأمين مكان آمن لهم أينما نزحوا، فهي تعتمد عليهم اقتصادياً في معيشتها وكذلك في صنع مونتها من الألبان والأجبان طيلة العام، حيث تبدأ هي بتحضير المونة من الشهر الثالث إلى الشهر الخامس وقد يستمر للسادس ولكن بكميات أقل وسعر أكثر. 

هذا العام تقول “أم عباس” إن الإقبال على شراء المونة كان ضعيفا جداً بسبب ارتفاع الأسعار، وغلاء مختلف الأصناف، إذ ان معظم الجيران والمعارف باتوا يشترون من عندها بالكيلو فقط أي للاستهلاك اليومي فحسب وليس للتموين كما جرت العادة. 

تعتبر صناعة الجبن واللبن والقريشة “وهي مادة مصنوعة من مصل الجبن تدخل في صناعة الحلويات”، إضافة إلى “الدوباركي” مهنة  قديمة تحبها “أم عباس”وتتقنها منذ زمن، كذلك العديد من السيدات اللواتي يحضّرن مؤنتهم المنزلية بأنفسهن قبل النزوح والتهجير.

وعن طريقة صنع الجبن تخبرنا “أم عباس” أنها تضع المنفحة “وهي المادة التي تحول الحليب إلى جبن” بعد تسخين الحليب إلى 40 درجة مئوية، ثم يترك قرابة ساعتين عندها يكون الحليب قد تحول إلى قطعة واحدة، نقوم بتقطيعه ووضعه في مصاف ناعمة أو قطع قماش ناعمة جداً وبعدها يقطع حسب الرغبة ويوضع في مطربات المونة بعد إضافة الملح الذي يحافظ عليه مدة أطول. 

يعد الجبن من أساسيات المائدة السورية على الفطور إذ كانت المطابخ قديماً لا تخلو من مطربات الجبن وكانت النسوة تتباهى أمام بعضهن بكمية الجبن المحضرة بشكل متقن بعد أن ترفعهم على رفوف المطبخ كما أخبرتنا “سميرة” 30 عام، مهجرة من ريف دمشق.

تقول “سميرة ” في حديثها إلينا، إن “المونة تحتاج استقرار ونحن لا نعرف هل سيأتي الشتاء ونأكل مما حضرناه أم سنتركه ونهرب بأرواحنا كما حدث معنا العام الماضي، لذلك نحن اليوم تشتري الجبن بالنصف كيلو، ويكاد يكفينا بضعة أيام، إضافة أنه لم يعد لديها المقدرة على شراء كميات كبيرة كما كنا نشتري في الأعوام الماضية”.

ارتفعت أسعار الألبان والأجبان ومشتقاتها، كباقي المواد الغذائية متأثرة بارتفاع الدولار حيث يتراوح كيلو الجبن البقري البلدي بين 40_50 ليرة تركية، أما جبن الغنم البلدي يصل إلى 55 ليرة تركي للكيلو الواحد، وجبنة الشلل 70 ليرة،  هذه الأسعار اطلعنا عليها” أبو كريم” صاحب محل لبيع الأجبان والألبان في المنطقة، وهي تختلف من محل إلى آخر كما أنها تتأثر بارتفاع الدولار.

وأشار في حديثه إلينا، إلى أن إقبال الناس على شراء الجبن للمونة قد انخفض كثيراً عن السابق، بسبب الغلاء وقلة فرص العمل، فمعظم الزبائن يشترون الجبنة بكميات قليلة لا تتجاوز الكيلو، وأحياناً نصف كيلو، بينما كانوا يضعون الجبن في الربيع بكميات كبيرة لم نعد نراه اليوم إلا نادراً.

“البيت إلي ما في مونة فقير”.. تقول “أم عباس” للدلالة على أهمية صنع المونة للعائلة فهو يحقق لها اكتفاء ذاتياً طيلة الشتاء، كما أن صناعة المونة من العادات القديمة المتوارثة جيل بعد جيل، تحرص عدد من السيدات السوريات على المحافظة عليه رغم ظروفهم القاسية.