ورق العنب..المونة تغيب عن مطابخ السوريين بسبب الغلاء

بعد أن كانت من الوجبات الأساسية عند غالبية السوريين سابقاً، أصبحت أكلة “اليبرق” الشهيرة المصنوعة من ورق العنب، من الأصناف التي تفتقر إليها موائد الأسر السورية، بسبب ارتفاع تكاليف تحضيرها، نظراً للغلاء الذي تشهده كافة المناطق، وسوء الأوضاع المعيشية التي أجبرت عائلات كثيرة على التخلي عن أكلاتهم المفضلة تبعاً لظروفهم الاقتصادية.

تجلس “أم عمر” سيدة مقيمة في منطقة سرمدا شمالي إدلب، رفقة ابنتها، وحولهما كمية قليلة من أوراق العنب المقطوفة، بعد أن اشترت كيلين اثنين فقط من أحد الباعة الجوالين، حرصاً منها على تحضير مونة الشتاء من ورق العنب، ولو بقدر بسيط، بعد كانت تحضر عشر كليات من الورق كل عام، كحال كثير من الأسر التي اكتفت بقدر قليل منه، إذ تعد أكلة اليبرق الشعبية أشهر الأصناف المفضلة لديهم.

“زينة الموائد” تقول “أم عمر” واصفة حبها لطبخة اليبرق، وتضيف أنها من الأكلات المفضلة لدى عائلتها، فهي تذكرها بالكرمة التي كانت في دارها بمدينة “خان شيخون” الذي نزحت منه منذ سنوات ، إذ كانت لا تشتري الورق سابقاً من الأسواق بل تقطف مونتها من شجرة العنب التي كانت تزين بيتها، أما اليوم وبسبب الغلاء قد حرمت مئات الأسر من تحضير المونة الشتوية من كافة الأصناف.

إذ يتراوح سعر كيلو الورق بين 20 إلى 30 ليرة تركية وتحتاج الأسرة المتوسطة  من 5 إلى 10 كيلو غرام من الورق لصنع المونة، يصل سعرهم إلى 300 ليرة تركية تقريباً وهي تعادل أجرة عامل مياومة لمدة أسبوع كامل، ما جعل كثير من العائلات تستغني عنها وتكتفي بطبخها مرة واحدة في موسمها.

يبدأ موسم قطاف ورق العنب من الكروم في شهر أيار، ويقطف ثلاث مرات كل 15 يوم مرة، ويفضل قطافه باكراً أو في المساء حيث تكون الأوراق طرية ورطبة، ويعد موسم جيداً بالنسبة لأصحاب البساتين، إذ يؤمن لهم دخلاً مادياً يفوق مردود ثمار العنب، وترتفع أسعاره بين السنة والأخرى.

شريحة كبيرة من أهالي الريف ولاسيما ريف إدلب الجنوبي، كانوا يعتمدون على حقولهم في تأمين مونة ورق العنب، وباقي أصناف المونة الأخرى، ونادراً ما كانوا  يشترونها من الأسواق.

تطبق “أم عمر” أوراق العنب بطريقة متقنة تسميها الكفوف، وتصف الورقة فوق الأخرى على شكل “رزم” تخبرنا في حديثها إلينا  أن “هذه الطريقة تعلمتها من أمها وتعلمها لابنتها، فهي فعالة في حفظ ورق العنب لفترة طويلة”.

وتشرح لنا كيف تتم مراحلها فتقول: “بعد أن نرص رزم الورق نضعها في وعاء كبير يتسع لها، ثم نغلي كمية معينة من الماء والملح، ونضيفها إلى الوعاء وتترك ليوم واحد، حتى يتغير لون الورق ويصبح أكثر ليونة، ثم يعبأ في مرطبانات زجاجية فهي الأفضل للمونة، وتكبس جيداً لمنع بقاء الهواء داخلها كي لا تفسد ثم يضاف لها الماء والملح وتضغط جيداً وتصبح جاهزة”.

بينما تختلف طرق حفظ الورق بين سيدة وأخرى، إذ تفضل السيدة الأربعينة “أميرة عثمان” أن تضغط الورق دون ماء في الزجاج فهي طريقة فعالة أيضاً، تقول لنا، سابقاً كنت اعتمد على طريقة التبريد في حفظ المونة وأضع أوراق العنب و حبات البازلاء والفول في ثلاجة البراد، أما اليوم بانعدام الكهرباء بتنا نتحايل على ظروفنا بالطرق القديمة والبدائية في حفظ المونة”.

تقول “أميرة” عن أصناف الورق المعروفة، إن “هناك أنواعاً عدة  للورق، منها مريكي، والزينبي، والفرنسي والبلدي، وأفضلها الذي تميزه نكهة الحموضة ويكون طرياً ليناً مقطوفاً في موسمه”.

تكمل أميرة حديثها، أن “ورق العنب يحظى بشعبية كبيرة بين السوريين كونه من الأكلات المفضلة لديهم، ومنه ما يطبخ بالخضار وزيت الزيتون، ويعرف باسم اليالنجي، أما اليبرق فيطبخ باللحم والدسم، وهو من ألذ الأكلات في الشتاء”.

ثم تبتسم وهي تخبرنا أنها منذ لم تطبخها باللحم بل استبدلتها بالزيت والخضار بسبب الغلاء وظروفها المعيشة المتردية كحال شريحة واسعة من الأهالي.

أنهت “أم عمر” تحضير مؤنتها وقد ملأت مرطبانين من ورق العنب بلونهما الأخضر، على وقع ذكريات قديمة عن طقوس خاصة بها كانت تحضرها في منازلها قبل أيام النزوح، وبكميات  تفوق ما حضرته اليوم.