نصف قرن على انطلاق أول استديو لتسجيل الأغاني بالرقة

على الرغم من سنوات الحرب الطويلة التي عاشها أبناء مدينة الرقة شرقي سوريا والدمار الكبير الذي حل بها، إلا أن أبناءها لا يزالون يحافظون على تراثها الشعبي ومتمسكون به، وبالذات من ناحية الأغنية التراثية المحلية والعراقية التي بدأت تصدح مرة أخرى في شوارع وأزقة المدينة بعد توقفها طوال فترة سيطرة تنظيم داعش على المدينة.

 

حيث أعلن العم “أبو خولة”، كما يحب أن يناديه أبناء مدينة الرقة الذين لا يعرفونه إلا بهذا الاسم، أعلن عن افتتاح استديو “النظائر” في العام 1974 ليكون أول استديو لتسجيل الأغاني شرقي سوريا بشكل عام وفي مدينة الرقة بشكل خاص، وليصبح مقصداً لأبرز فناني العراق الكبار في تلك الفترة والذين قصدوه في أكثر من مناسبة لتسجيل أغانيهم ونشرها في المنطقة.

 

وفي حديثه لمنصة SY24  قال العم أبو خولة: “قمت بافتتاح محل بيع شرائط الكاسيت كبداية صغيرة لمشروعي الفني، ولكنه تطور مع الوقت ليصبح أول استديو لتسجيل الأغاني في المنطقة وبدقة وجودة عالية جداً ما زلتُ محافظاً عليها إلى اليوم، حيث أصبح هذا الاستديو مقصداً لعدد كبير من فناني العراق وسوريا لتسجيل أغانيهم ونشرها”.

وأضاف أن “عدد كبير من فناني العراق قدموا لتسجيل أغانيهم لدي منهم ياس خضر وسعدون الجابر ورضا الخياط، وكانوا يحيون حفلات و جلسات غنائية في الرقة بشكل متكرر، و لحاجتهم الماسة لوجود استديو يكون رفيقاً لهم في إحياء هذه الحفلات كانوا يترددون على الاستديو، ولهذا جمعتني بهم جميعاً صداقة قوية بقيت إلى وقتنا الحالي”.

وتابع أن “هؤلاء الفنانين كانوا يأتون إلى هنا بشكل متكرر ولأكثر من مرة خلال الشهر الواحد، نتيجة لوجود جمهور كبير يمتلكه هؤلاء المطربين العراقيين في الجزيرة السورية، التي ما إن سمع أحدهم بقدوم أحدهم إلا وكان على رأس الجمهور الحاضر”.

 

وأضاف أن “الشاعر الراحل مظفر النواب، زارني في أكثر من مناسبة وجلس في هذا الاستديو يستمع إلى أغاني التراث الشعبي، كما زارني الفنان الكبير ياس خضر الذي لطالما طلب مني إرسال كلمات أغاني عراقية قديمة جداً كان قد غناها في وقت سابق ونسيها”.

 

واوضح: “كنت أقوم بشراء النسخ الأصلية من الكويت والسعودية لأهم مطربي العراق الذين لم يحالفني الحظ بالوصول إليهم، وكانت تصلني عبر الطائرة معظم هذه الحفلات لكي أقوم بإعادة تسجيلها وتوزيعها، لأنها إحدى مصادر الحفاظ على تاريخ الشعوب وحضارتهم وثقافتهم، لهذا لم أغفل عن تسجيل الأغاني لكبار المطربين التراثيين في الرقة والعراق”.

 

فيما استذكر العم “أبو خولة” عدداً كبيراً من مطربي الرقة الكبار امثال الراحلين حسين الحسن و محمد الحسن، الذين كانا على رأس اهتماماته، حيث سجل في استديو “النظائر”جميع أغاني “حسين الحسن” وعزفه على “الربابة”، ومازال يحافظ إلى الآن على جميع أغانيه التراثية التي هي”تاريخ وثقافة أهل الرقة وشرح مبسط عما يجول في مخيلة الرقاويين، وتعبير صادق عن الحب العفيف الذي تشتهر به المدينة”، على حد تعبيره.

وأشار إلى أصناف الغناء المحلي مثل “المولية و اللكاحي والنايل” وغيرها من ألوان الغناء التراثي الذي تشتهر به الرقة، والتي كانت تصدح أصدائها في أرجاء استديو “النظائر” يوماً ما، ومن حنجرة مطربيها الأوائل من الزمن الجميل مباشرةً كـ “أحمد الحبيب وحسين الحسن ومصطفى إبراهيم العلوش”، الذين لا زال إلى اليوم يتردد العشرات من الشباب وكبار السن من متذوقي الفن الشعبي يبحثون عن أغانيهم التي لا يجدونها في أي مكان آخر حتى على الإنترنت، لأنه تم تسجيلها في الاستوديو الخاص ب”النظائر” الذي حافظ عليها إلى يومنا هذا.