هل التخوف من “داعش” يمنع عودة الناس إلى قراهم ومدنهم؟ 

تباينت مواقف عدد من المحللين والباحثين المهتمين بملف تنظيم “داعش” شرقي سوريا وفي مناطق تواجده الأخرى في سوريا، وذلك بخصوص اعتبار استمرار وجود التنظيم يشكل عائقاً أمام عودة المدنيين إلى كثير من المناطق التي هُجّروا وخرجوا منها في فترات سابقة. 

ومنذ عدة سنوات سابقة انتهج “داعش”، وحسب مراقبين “سياسة التهجير من المنازل كعقوبة جماعية على مقاومته، حيث قام بتهجير عشرات الآلاف من سكان ريف دير الزور الشرقي، وخاصة بلدة الشحيل، كعقاب لهم على وقوفهم إلى جانب المجموعات التي قاتلت التنظيم، كما أن بلدات أخرى تفاوض التنظيم حاليا تواجه نفس المصير”. 

وأشار المراقبون إلى أن سكان المنطقة الشرقية يترقبون بحذر الأخبار التي تفيد باحتمال عودة “داعش” بنسخة جديدة، وذلك بسبب الهجمات والتحركات الأمنية التي يقوم بها معتمداً على خلاياه النائمة في المنطقة، الأمر الذي يزيد  من مخاوف بقائهم في المنطقة أو المخاوف من العودة إلى مناطق نزحوا عنها سابقاً. 

مصدر من أبناء المنطقة الشرقية، ذكر لمنصة SY24، أن “داعش يُعتبر من السلطات التي تعمل على فرض قوانينها بالقوة ولا تُعير انتباها لرأي الجمهور، لذلك كنا نرى هروب من المناطق التي تسيطر عليها، لأن داعش أيضا كانت تمارس سياسة تمييزية فتفضل وتخص عناصرها في مكان سيطرتها مثل دير الزور بالخدمات المتعلقة بالطبابة والمحروقات وغير ذلك؛ وتحرم من هذه الخدمات من لا ينتمي لها، وكل هذه السياسات تدفع السكان للهجرة وعدم الرجوع إلى الأماكن التي تهددها داعش”. 

وأضاف أنه “في المنطقة الشرقية وبسبب الأوضاع المعيشية، فإن قدرة داعش على تجنيد صغار السن أكبر من غيرها من المناطق، لذلك أيضا يفضل السكان عدم العودة من باب الحرص على أفكارهم من غسيل الدماغ الذي يجريه داعش ودعايته تجاههم”. 

ومطلع العام الجاري 2022، ذكرت  صحيفة إندبندنت البريطانية، أن ظهور تنظيم “داعش” في محافظة دير الزور شرق سوريا، زاد من مخاوف السكان، إذ تعمد بث الرعب من خلال رسائل تحذير تحمل صبغة تهديد حسب تقرير صادر عنها. 

ولفتت إلى أن “داعش يجند أعضاء جدد بين السكان المحليين الذين يعانون الفقر، ويصبح أكثر جرأة على تنفيذ أعمال عنف”. 

 من جانبه، الناشط السياسي “مصطفى النعيمي” قال لمنصة SY24 حول هذا الموضوع، إنه “من المؤكد أن أي نشاط عسكري يعيق عودة المهجرين بشكل كامل، لكن لا أرى أن العودة في ظروف الحرب المستمرة ممكنة، خاصة وبأن الحرب لم تضع أوزارها بعد”. 

وتابع “ربما أحد الأسباب الثانوية هو وجود داعش، لكن السبب الرئيسي يعود إلى بقاء النظام السوري في سدة الحكم وهو أكبر معوق لعدم عودة المهجرين والنازحين، والمسؤولية تقع بالدرجة الأولى على المجتمع الدولي ومن ثم الدول الكبرى القادرة على إحداث تغيير، خاصة وأنها تتمتع بنفوذ كبير في مجلس الأمن”. 

وزاد بالقول إن “داعش غادرت من جنوب العاصمة دمشق منذ 2018، وما زالت المنطقة شبه فارغة نظرا لأن داعش استخدمت من قبل النظام السوري كفزاعة للمدنيين العزل، لكن المناطق التي سيطر عليها لنظام السوري مؤخرا لم تشهد أي محاولات لإعادة تأهيلها ولو حتى بالشروط الدنيا لعودة المهجرين، ولم تقبل المنظومة الدولية والبنك الدولي تقديم أي مبالغ مالية بخصوص إعادة إعمار سوريا في ظل وجود نظام الأسد”. 

وختم بالقول إنه “أمام الحلقتين المفرغتين لا يمكن لأي مهجر أن يعود إلى بلدانهم وهي تفتقر لأدنى متطلبات الحياة اليومية، إضافة إلى أن العودة لا تخضع لتوافق دولي ورقابة لمجلس الأمن، والكثير قد تمت تصفيتهم عندما عادوا إلى مناطق سيطرة النظام والقوات الرديفة، لذلك لا أرى بأن الحديث عن العودة في ظل تلك الظروف ممكنة ولن يكون لها أي صدى مطلقاً”. 

وفي نيسان/أبريل الماضي، حذّر “شارلز ليستر” وهو مدير قسم مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط ، من أنه “وفي ظل استمرار تدهور الاقتصاد وانخفاض قيمة العملة السورية، وبعدما باتت أزمة الغذاء وشيكة، وبما أن جزءاً كبيراً من شمال شرقي سوريا لا يزال متضرراً من الأعمال العدائية مع داعش، سيستمر التنظيم في استغلال المعاناة الاقتصادية وحالة اليأس”. 

ونبّه إلى أن “التنظيم لا يزال ظلاً لما كان عليه في السابق، لكن لديه الوقت في صالحه، ولديه سجل حافل بالصبر. ولذلك، يتعين على العالم أن يستيقظ ويتنبه إلى ضرورة الاستثمار بجدية أكبر في جميع جوانب الاستقرار، قبل فوات الأوان”. 

بدوره، الصحفي “نورس العرفي” وابن المنطقة الشرقية، اعتبر في حديثه لمنصة SY24، أنه “وجود داعش وتحديدا في أرياف دير الزور ليس بالوجود القوي الذي يدفع الناس للخوف والرهبة منها كما كان سابقا، كونها عبارة عن خلايا تتواجد في البادية وتقوم بين الفينة والأخرى باستهداف النظام وقسد والقوات الإيرانية، لكنها لا تستهدف المدنيين”.

وأعرب عن عدم اعتقاده “بوجود تخوف لدى السكان من العودة بسبب داعش، وإنما التخوف بسبب الوضع الأمني غير المستقر والوضع الاقتصادي السيء، ومن حملات التشيّع التي تقوم بها القوات الإيرانية في مناطق النظام، وبالتالي تلك المخاوف أكبر من مخاوف وجود داعش في تلك المنطقة”. 

وختم بالقول “لا شك بأن هناك مخاوف من عودة داعش وسيطرتها مرة أخرى لكن ليست تلك المخاوف الكبيرة، فالناس باتت تعرف من هي داعش ومن الذي أوجدها، وأنها عبارة عن فصيل مدعوم مخابراتياً من دول كبرى لتنفيذ مهمة، وربما المهمة التي أُسس لأجلها قد تمت الآن مع بقاء نظام الأسد في الحكم، لذلك لا مخاوف كبيرة من عودة داعش مرة أخرى”. 

الجدير ذكره أن التحالف الدولي يواصل الحد من جهود التنظيم لزعزعة الأمن واستقرار في المنطقة معتمدا على أذرعه وخلاياه النائمة، وذلك من خلال العمليات الأمنية وعمليات الإنزال الجوي التي تم تكثيفها منذ آب/أغسطس الماضي 2022، والتي أسفرت عن اعتقال العشرات من قيادات وخلايا التنظيم في مناطق متفرقة شرقي سوريا.