من المسؤول عن التوجه نحو خصخصة التعليم في الشمال السوري؟ 

تضاعف عدد المدارس والمعاهد الخاصة في الشمال السوري، آخر عامين،على حساب تراجع دعم القطاع العام، الذي يعاني أساساً من ضعف في الإمكانيات، واقتصاره على الفئة الأولى فقط، غير أن التوجه نحو “خصخصة” التعليم أثار موجة غضب بين الأهالي، الذين يعانون بالأصل من ظروف مادية صعبة، لا تسمح لهم بدفع تكاليف إضافية على التعليم الخاص. 

رصدت منصة SY24 أقساط المدارس الخاصة بشكل تقريبي في عدة مناطق والتي تتفاوت بين مدرسة وأخرى، إذ تراوحت أقساط الصف الأول والثاني  بين 125 _ 150 دولار للعام الدراسي الكامل، مع إمكانية دفعها على عدة أقساط شهرياً، في حين وصل أقساط الصف الثالث والرابع إلى 150 دولار، وكذلك بلغت أقساط المراحل الإعدادية والثانوية 250 دولار سنوياً، في حين وصلت أقساط بعض المدارس لطلاب الشهادة الثانوية 250 – 300 دولار. 

ارتفاع أقساط التسجيل في المدارس الخاصة جعلها حكراً على فئات معينة من السكان دون عن غيرهم، تقول “ميساء العلي” وهي أم لأربعة أطفال في المرحلة الابتدائية مقيمة في مدينة إدلب، إنه “من غير الممكن تحمل تكاليف التعليم الخاص، إضافة لأجرة المنزل و المصاريف الأخرى، وزوجي عامل مياومة بأجر لا يتجاوز 60 ليرة تركية باليوم!”، حال السيدة ميساء، يحاكي حال مئات آلاف العائلات في الشمال السوري، الذين بالكاد يستطيعون تأمين لقمة العيش والأعباء المعيشية الأخرى. 

تتوزع المدارس الخاصة في المدن الرئيسية المكتظة بالسكان كـ “مدينة إدلب، سرمدا، الدانا، ومعرة مصرين” وغيرهم، وتتميز بكوادرها التدريسية ذات الخبرة، واهتمامها باللغة الإنجليزية، و التركية أيضاً، وإدخال الحساب الذهني لطلاب المرحلة الابتدائية، وبعض المدارس توفر أجهزة حواسيب بالإضافة للأنشطة الترفيهية والرياضية المتنوعة. 

في تقرير سابق لمنصة SY24، تناول ملف التعليم الخاص، بلغ عدد المنشآت التعليمية المرخصة 161 بين مدارس ومعاهد ورياض أطفال، والعدد قابل للزيادة هذا العام يسبب توجه كثير من رؤوس الأموال نحو الاستثمار في قطاع التعليم الخاص. 

 تتبع المدارس الخاصة إدارياً إلى المجمع التربوي في مديرية التربية والتعليم في إدلب، كذلك تدرس المناهج ذاتها الموجودة في مدارس التربية، ويعود سبب ازدياد عدد المدارس والمعاهد الخاصة، إلى ضيق المساحة التعليمية، وقلة عدد المنشآت التعليمية التي تعرض قسم كبير منها إلى القصف من قبل الطيران الروسي وقوات النظام في السنوات الماضية.

يقول “أبو محمد” مقيم في مدينة الدانا شمالي إدلب، وهو أب لثلاثة طلاب في المرحلة الإعدادية والثانوية، إن “وضع الناس المعيشي لغالبية السكان مأساوي، وليس جميع الأهالي يملكون دولارات، وقادرين على تسجيل أولادهم في مدارس خاصة، وبالمقابل المدارس العامة تعاني من ضعف في التعليم، واكتظاظ في أعداد الطلاب، إذ يصل عدد الطلاب في أحد الصفوف إلى 50 طالب أحياناً، وهذا كله يؤثر على مستوى التعليم”. 

وعلى الجانب الآخر، لم تكن المدارس الموجودة في المخيمات والتي تفتقر أساساً لجميع مقومات المدارس، كافية لاستيعاب الطلاب، حيث ذكر تقرير صادر عن وحدة تنسيق الدعم ACU في حزيران من العام الماضي، بعد أن زار باحثو فريق وحدة إدارة المعلومات 1.302 مخيماً في محافظتي حلب وإدلب وتبين أن 175 مخيم فقط يوجد فيها مدارس معظمها يعاني من نقص في المستلزمات والمعدات المدرسية والبنى التحتية. 

 

وفي سياق متصل، يعاني طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية من ضعف كبير بسبب ازدياد عدد الطلاب في الصف الواحد، وتغيب بعض المعلمين ولاسيما المتطوعين منهم، كل ذلك سبب تراجعاً في مستوى الطلاب و رسوب عدد كبير منهم ولاسيما طلاب الصف التاسع. 

“علاء” واحد من خمس وعشرون طالب في احد مدارس سرمدا لقوا مصير الرسوب في الصف التاسع العام الماضي، والسبب حسب قول علاء ضعف التعليم وزيادة عدد الطلاب في الصف الواحد، وتغيب المعلمين المتطوعين. 

لجأت والدة “علاء” إلى نقل ابنها لمدرسة خاصة مع بدء الموسم الدراسي قبل أسابيع، رغم ارتفاع تكاليف أقساطها، بالإضافة إلى تأمين المواصلات والكتب وباقي اللوازم المدرسية.

وتقول في حديثها مع SY24: إنها اضطرت إلى وضع ابنها بالقطاع الخاص، حيث تؤمن المدارس الخاصة، أفضل الكوادر التدريسية ذات الخبرة والأسلوب الجيد في الإعطاء، كما أن “عدد الطلاب في الصف الواحد لا يتجاوز ثلاثين طالباً، مع التشديد على الالتزام بالدوام وعدم الغياب أو التسرب منها، وهو ما تفقده المدارس العامة للأسف”. 

لا تنكر” والدة علاء”، أن مبلغ 40 دولار كل شهر هو أمر شاق عليها، ولكن خوفها على تعليم أطفالها دفعها لتحمل أعباءٍ التعليم الإضافية حسب قولها، كي لا يخسر ابنها تعلميه، ويلجأ إلى سوق العمل في سن مبكرة كحال كثير من  الأطفال، الذين تسربوا من المدارس نتيجة ظروفهم المعيشية والاقتصادية الصعبة.