بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، بدأت موجة كبيرة من السوريين بالعودة إلى وطنهم بعد سنوات من اللجوء في دول مثل تركيا وأوروبا. هذا العام الدراسي يمثل العام الأول للطلاب العائدين، وغالبية هؤلاء الأطفال قضوا حياتهم بالكامل خارج سوريا، ما يجعل تجربتهم في العودة إلى المدارس الخاصة تحدياً غير مسبوق، سواء من الناحية الأكاديمية أو الاجتماعية.
الطلاب العائدون يواجهون فجوة لغوية كبيرة، إذ لم يتقن معظمهم اللغة العربية، ويحتاجون إلى دروس دعم مستمرة لتعلم القراءة والكتابة وقواعد اللغة، بالإضافة إلى صعوبات الاندماج الاجتماعي مع أقرانهم السوريين الذين تربوا في البيئة المحلية. هذه التحديات تتضافر مع الضغوط الاقتصادية على الأسر العائدة، التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة بين مدارس باهظة الكلفة وأخرى متوسطة ومنخفضة، لكل منها مستوى مختلف من الخدمات وبرامج الدمج.
دمشق: رصد ثلاث مستويات من المدارس الخاصة
في محافظة دمشق، لوحظ وجود ثلاث فئات واضحة من المدارس الخاصة:
المدارس الدولية عالية الكلفة:
مثل المدرسة الباكستانية، التي تعتمد نظام كامبردج البريطاني وتدرّس معظم المواد باللغة الإنجليزية، مع بعض المواد بالعربية مثل مادة الاجتماعيات. تبدأ الأقساط السنوية من 22 مليون ليرة سورية لمرحلة الروضة، وتصل إلى 31 مليوناً للصف البكلوريا، بالإضافة إلى نحو 20 مليون ليرة لتكاليف الكتب واللباس والمواصلات.
هذه المدارس توفر برامج دعم لغوي مكثفة للطلاب العائدين حديثاً، تشمل دروساً يومية لتقوية مهارات القراءة والكتابة باللغة العربية، وجلسات متابعة فردية لمساعدة الطلاب على اللحاق بالمناهج الدراسية. كما يخضع الطلاب الجدد لاختبارات سبر معلومات لتحديد مستواهم الأكاديمي، بالإضافة إلى ضرورة تقديم شهادة المدرسة السابقة والحصول على موافقة وزارة التربية. كما تشترط المدرسة حمل الطالب لجنسية ثانية غير السورية أو إقامة في بلد آخر.
المدارس المتوسطة الكلفة:
تعتمد هذه المدارس المنهاج الحكومي مع تدريس بعض المواد مثل الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية. الأقساط السنوية تتراوح بين 11.5 و16 مليون ليرة سورية، تشمل الكتب واللباس، بينما تصل تكلفة النقل إلى 5 ملايين ليرة.
هذه المدارس تقدم دروساً إضافية لتقوية اللغة العربية ضمن حصص الرياضة والفنون والموسيقى، لكنها لا توفر برامج دمج شاملة. وغالبية الطلاب العائدين يحتاجون إلى متابعة إضافية خارج أوقات الدراسة لضمان قدرتهم على مواكبة زملائهم السوريين، ما يجعل التعاون بين الأسرة والمدرسة أمراً ضرورياً.
المدارس منخفضة الكلفة:
موجهة للأسر العائدة حديثاً، تبدأ الأقساط من 7.5 ملايين ليرة شاملة الكتب واللباس، مع رسوم نقل تصل إلى 500 ألف ليرة حسب المسافة. تركز هذه المدارس على تقوية اللغة العربية عبر حصص فعلية أو دروس عبر الإنترنت، إلى جانب الأنشطة الرياضية والفنية لتعزيز التواصل الاجتماعي والاندماج بين الطلاب العائدين وزملائهم السوريين.
التحديات اليومية للطلاب العائدين في المدارس
الطلاب الذين قضوا حياتهم في الخارج يواجهون تحديات يومية معقدة. معظمهم لم يتلقَّ أي تعليم باللغة العربية، ما يجعل قراءة الكتب المدرسية ومتابعة الدروس أمراً صعباً. ويضاف إلى ذلك الصدمة الثقافية الناتجة عن بيئة تعليمية تختلف عن مدارسهم السابقة في الخارج، سواء من حيث طريقة التدريس أو أسلوب التفاعل بين المعلمين والطلاب.
التكيف الاجتماعي يمثل تحدياً آخر، إذ يحتاج الطلاب العائدون إلى وقت طويل للتأقلم مع أقرانهم الذين تربوا في البيئة السورية، مع اختلاف مفاهيم الحياة اليومية والعادات التعليمية. هذا الواقع يجعل من برامج الدعم النفسي والاجتماعي جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، سواء عبر مستشارين نفسيين أو عبر دمج الطلاب في الأنشطة الجماعية والفنية والرياضية.
ريف دمشق: تفاوت كبير في الأقساط وضعف الرقابة
مدينة التل في ريف دمشق تعكس حالة التفاوت الكبير في الأقساط وضعف الرقابة على المدارس الخاصة. تضم المدينة ما يقارب ست مدارس خاصة، منها: تهذيب الأبناء، الأمل، بشائر النور، إعلام المجد، الثريا، ومنارات الشام. تختلف الأقساط بين المدارس بشكل ملحوظ، من 5.5 ملايين ليرة للمرحلة الابتدائية إلى 15–20 مليوناً في مدارس أخرى، وسط غياب آليات صارمة من وزارة التربية لتنظيم الأسعار.
رغم تجهيز المدارس بمرافق حديثة تشمل ملاعب لكرة القدم والسلة والطائرة، مسبحاً، مسرحاً، ومخابر تعليمية، إلا أن برامج دمج الطلاب العائدين حديثاً محدودة، مما يجعل عملية التأقلم الأكاديمي والاجتماعي أكثر صعوبة.
محافظة حمص: الريف مقابل المدينة
في حمص، تتراوح أقساط المدارس الخاصة في الريف بين 4 و5 ملايين ليرة، غالباً بنظام الدفع بالأقساط، بينما ترتفع قليلاً في المدينة. حتى الآن، لا توجد خطط رسمية لدمج الطلاب العائدين حديثاً، رغم وجود مدارس مرخصة مجهزة ببنية تحتية ممتازة وكادر تعليمي مؤهل. تبدأ معظم المدارس التسجيل للعام الدراسي في الشهر الثاني، وغالباً ما تكون المقاعد ممتلئة بسبب الطلب الكبير.
إدلب: دعم جزئي للطلاب العائدين
في إدلب، تتراوح الأقساط بين 200 و400 دولار سنوياً، مع تقديم حسومات للأيتام والمتفوقين وأبناء الكوادر. تركز المدارس على برامج دعم الطلاب الوافدين حديثاً، خصوصاً عبر تقوية اللغة العربية ومنهج الرشيدي، مع تقديم دعم نفسي واجتماعي لتعويض فجوات التعلم الناتجة عن سنوات الغربة.
حلب: تحسين المباني مع برامج دعم جزئية
في حلب، تتراوح الأقساط بين 8 و10 ملايين ليرة سورية، مع خصومات بسيطة للأشقاء. شهدت المدارس تحسناً في المباني والمرافق بعد سنوات الثورة، مع تجهيز ساحات وملاعب ومخابر حديثة. تقدم بعض المدارس حصصاً إضافية لتعليم اللغة العربية ودروس القرآن، مع التركيز على القيم الأخلاقية والاجتماعية، ما يساعد الطلاب العائدين على التكيف النفسي والاجتماعي بعد سنوات الغربة.
الحسكة والرقة: غياب التعليم الخاص التقليدي
في محافظتي الحسكة والرقة، أُغلقت معظم المدارس الخاصة من قبل الإدارة الذاتية، ويقتصر التعليم الخاص على المعاهد التي تقدم دورات تقوية قصيرة. هذا الواقع يزيد صعوبة دمج الطلاب العائدين حديثاً، ويجبر الأهالي على البحث عن بدائل محدودة لتعليم أبنائهم بما يلائم احتياجاتهم اللغوية والأكاديمية.
أبرز التحديات للطلاب العائدين
* الفجوة اللغوية: معظم الأطفال لم يتقنوا اللغة العربية، ما يصعب عليهم متابعة المناهج.
* التأقلم النفسي والاجتماعي: صعوبة الاندماج مع أقرانهم السوريين بعد سنوات من الحياة في بيئات ثقافية مختلفة.
* تفاوت البرامج التعليمية: اختلاف كبير بين المدارس الدولية والمتوسطة والمنهاج الحكومي فيما يخص مستوى الدعم الأكاديمي والبرامج الخاصة بالدمج.
* الضغوط المالية على الأسر: ارتفاع الأقساط في المدارس الدولية والمتوسطة يحد من قدرة الأسر العائدة حديثاً على اختيار مدارس متقدمة، ما يدفعها للمدارس منخفضة الكلفة.
جهود المدارس الخاصة لدعم الطلاب العائدين
تحاول بعض المدارس الخاصة التكيف مع احتياجات الطلاب العائدين من خلال:
* دروس تقوية اللغة العربية يومية أو عبر الإنترنت.
* دمج الطلاب ضمن الأنشطة الفنية والرياضية لتعزيز التواصل الاجتماعي.
* تقديم حسومات مالية للأسر محدودة الدخل.
* تنظيم برامج للتكيف النفسي والاجتماعي تساعد الأطفال على التعامل مع صدمة العودة والتغير الثقافي بعد سنوات الغربة.
الخلاصة
يمثل العام الدراسي الأول للطلاب العائدين بعد سقوط نظام الأسد تحدياً مركباً يجمع بين صعوبات اللغة، والتأقلم النفسي والاجتماعي، والاختلاف في أنظمة التعليم. ومع ذلك، توفر المدارس الخاصة فرصاً ملموسة لدعم هؤلاء الأطفال، سواء عبر برامج اللغة العربية، الأنشطة الموازية، أو الدعم الأكاديمي المستمر.
يبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن يتمكن كل طفل عائد حديثاً من الوصول إلى مستوى تعليمي مناسب، في ظل تفاوت الأقساط والبرامج التعليمية بين المحافظات والمدارس. الأمل معقود على استمرار جهود المدارس في تقديم برامج دعم مكثفة وشاملة، مع تعزيز التفاعل الاجتماعي والنفسي للأطفال العائدين ليتمكنوا من استعادة حقوقهم التعليمية وتطوير مهاراتهم بشكل متكامل بعد سنوات الغربة.