حلب بوابة سقوط الأسد… ماذا جرى داخل أسوار المدينة ليلة التحرير؟

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - سوريا 24

لم يكن الصمت في منصات التواصل الاجتماعي علامة على الهدوء، بل انعكاسًا لعجز الحلبيين عن وصف ما يشعرون به.
في نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، كانت حلب مدينةً تعيش على إيقاع من الخوف والقلق.
تتناقل الأسر عبر تطبيقات الاتصال رسائل قصيرة عن أحداث غامضة، وتنتشر شائعات عن مصير مجهول ينتظر سكانها.
لم يكن الصمت في منصات التواصل الاجتماعي علامة على الهدوء، بل انعكاسًا لعجز الناس عن وصف ما يشعرون به.
كثيرون بدأوا بإعداد خطط للمغادرة، يرددون العبارة التي أصبحت لازمة في كل منعطف عسكري: “نغادر حتى تهدأ الأوضاع”.
الخوف، الحذر، والترقب سيطروا على المدينة، فيما ظلّ الجميع يبحث عن بارقة طمأنينة تحدد مسار الأيام القادمة.
بداية العملية العسكرية

في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، انطلقت معركة «ردع العدوان» من ريف حلب الغربي، حيث تقدّمت وحدات المعارضة تدريجيًا نحو أطراف المدينة، في الوقت الذي كانت فيه الشوارع تراقب أي صوت يأتي من بعيد.
وخلال ساعات، اتسعت رقعة الاشتباكات، فتبدلت الهواجس من همسٍ في مجموعات الاتصال إلى واقع يمكن سماعه ورؤيته.
وفي صباح اليوم التالي، أعلنت غرفة العمليات سيطرتها ميدانيًا على مدينة حلب بعد انهيار سريع في خطوط دفاع النظام وتراجع قواته نحو المحاور الجنوبية.

لم يكن الإعلان بيانًا عسكريًا عاديًا، بل حدثًا مفصليًا قلب المعادلة في ساعات قليلة، وفتح أمام الأهالي بابًا لم يكونوا قد استعدوا له نفسيًا بعد.

شهادة من قلب الليل
في المنطقة القريبة من القلعة، حيث شهدت المدينة أول دخول للمقاتلين، يستذكر حسين الشيخ علي تلك الليلة التي لم تغادر ذاكرته.

يقول لموقع سوريا 24 إن الناس أغلقوا محالهم التجارية خوفًا من المجهول، بينما بقي مقهاه مضاءً وحده في الشارع عند الحادية عشرة ليلًا.

وما إن ترددت أصوات الاشتباكات من بعيد حتى عمّ الخوف المكان، فهرب الجميع إلى بيوتهم، وبقيت مجموعة صغيرة تتمسك بأرزاقها.

يربط حسين بين الصورة التي روّج لها النظام لسنوات وبين ما رآه بنفسه: “كنا ننتظر أشخاصًا مخيفين كما صُوِّروا لنا، لكنهم دخلوا بهدوء، لم يقتربوا من أحد، ولم يتجاوزوا حدود الطريق”.

يصف الساعة الأولى بأنها ساعة خوف طبيعي، إذ كان الغرباء يدخلون منطقة غارقة في الظلام، لكن الحديث معهم جعل العلاقة أكثر إنسانية، فتلاشى الخوف وولدت بدلاً عنه صداقة مؤقتة.

وحين يعود إلى تلك الليلة، لا يتذكر صوتًا أو موقفًا محددًا بقدر ما يتذكر شعور الانتظار؛ جلوسًا على الأرصفة بلا عمل ولا يقين، كمن يترقب مستقبلًا لم يعد بعيدًا.

الطمأنينة التي جاءت مع الخبز

بعد يوم من سيطرة فصائل المعارضة على المدينة، بدأت الفرق الإغاثية بتوزيع الخبز على السكان، في محاولة منها لطمأنتهم، بينما كان دور أبناء المدينة كبيرًا في طمأنة السكان من التغيير العسكري والسياسي والأمني في المدينة.
من حي الخالدية، تروي عائشة الإبراهيم مشاعرها عند دخول المقاتلين.

تقول لموقع سوريا 24 إن “الخوف لم يكن منهم، بل من الطيران الذي اعتادت حلب أن تراه يقصف كل منطقة تتقدم إليها المعارضة”.

وتضيف: “تصورنا أن ما يحدث في المناطق المحررة سيتكرر هنا، لم نكن نثق بما نسمعه”.
لكن الصورة تغيّرت في اليوم التالي، حين رأى الأهالي أولى شحنات الخبز القادمة من ريف حلب الغربي، في مشهد بسيط، لكنه كان كافيًا لإيقاف الارتجاف الداخلي.
وتضيف: “صحيح أن قصف دوار الباسل وما تلاه من مجزرة أعاد الخوف إلى النفوس، إلا أن انحسار الطيران وتحوّل القتال خارج المدينة جعلا الجو أكثر هدوءًا”.

وبالنسبة لعائشة، فإن اللحظة التي كسرت الدعاية الرسمية لم تكن خطابًا أو إعلانًا، بل رؤية أشخاص عاديين يسيرون في الشوارع بلا نية لإيذاء أحد.

المنبر الذي استعاد صوته
حتى داخل المساجد، حيث الكلمة كانت مقيّدة لسنوات، يروي الشيخ أحمد الخطيب، خطيب أحد مساجد المدينة، لموقع سوريا 24 تفاصيل تلك الليلة، قائلاً إنّ “المقاتلين دخلوا يوم الجمعة عصرًا دون أن يقتربوا من رجال الدين”، وأنه “بعد أسبوع، ظهر خطباء جدد يطمئنون الأهالي، بينما لم يُمسّ أي شيخ لم تكن له علاقة مباشرة بالنظام”.

ثم يقارن بين ما قبل التحرير وما بعده، قائلاً: “كنا مجبرين على الدعاء للرئيس المخلوع على المنبر، وإن لم نفعل، استدعتنا الأفرع الأمنية وبدأ التحقيق”.

ويختتم حديثه بالقول: “اليوم لا يُملي علينا أحد دعاءً ولا خطبة، المنبر لأهل المسجد وليس للنظام”.
مدينة تنفض غبار الخوف

مع مرور الأيام، تراجعت أصوات الطائرات، وعاد ضجيج الأرصفة، فتفتحت الأبواب المتعبة، وبدأت القهوة تسري من جديد في المقاهي التي أغلقتها الأيام الأولى من السيطرة على المدينة.

لم تُنسَ اللحظة الأولى، لكنها لم تعد ثقلًا معلقًا فوق الرؤوس، بل رسمت نقطة بداية.

مقالات ذات صلة