بعد عام على التحرير: الصناعة في حلب بين التعافي وتحديات المنافسة

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - سوريا 24

تعيش مدينة حلب مرحلة صناعية حساسة بعد عام على سقوط النظام السابق، فقد عادت المنشآت تدريجيًا إلى العمل، وأطلقت الحكومة برامج دعم استثماري وتسهيلات تشغيلية. ومع ذلك، يكشف الواقع الميداني أن التعافي ما يزال مشروطًا بقرارات أكثر جرأة، خصوصًا فيما يتعلق بالطاقة والرسوم الجمركية والسياسات الحمائية تجاه المنتج الوطني. وبين شهادات الصناعيين تتكرر الفكرة ذاتها: الصناعة ليست ميتة، لكنها ما تزال تقاتل لتستعيد مكانتها.

من بيع الخام إلى خلق القيمة
يشرح الصناعي فايز النجار لموقع سوريا 24 أن قوة صناعة النسيج لا تكمن في المادة الخام بل في دورة التصنيع وإضافة القيمة. يقول لموقع سوريا 24: إن “القطن السوري لا يجب أن يُباع كما هو، ولا أن يُحول فقط إلى زيت، بل ينبغي أن يُصنع إلى قماش مصبوغ وجاهز للاستخدام”.

ويضيف أن النسيج كان تاريخيًا “عصب الاقتصاد”، وأن حماية الصناعة تبدأ من منع تكرار الأخطاء القديمة؛ أي تصدير المواد الخام دون خلق قيمة مضافة محلية. هذه الرؤية تعبر عن جوهر مطلب الصناعيين: الانتقال من اقتصاد الكمية إلى اقتصاد الجودة.

في هذا السياق، ساهمت المعارض المتخصصة في إعادة وصل الصناعيين بالتكنولوجيا العالمية. يؤكد عز الدين القاسم، المتحدث باسم معرض “ناستيكس” المقام حاليًا في فندق الشيراتون بحلب، أن المعرض عرض أكثر من 2500 متر من أحدث آلات النسيج، بدءًا من خطوط الإنتاج الكبيرة وصولًا إلى الأجهزة صغيرة الحجم، مع مشاركة شركات عالمية وفرت منتجاتها للسوق السورية لأول مرة منذ سنوات.

ورغم توفر التقنيات، يصطدم التطوير بمشكلات تشغيلية أبرزها: صعوبات النقل، وشح المياه، وارتفاع أسعار الطاقة؛ ما يجعل تحديث المعدات غير كاف دون معالجة البنية التشغيلية ذاتها.

تحديات القطاع الصناعي
يقدم الصناعي محمد ويس شرحًا رقميًا واضحًا لأزمة القدرة التنافسية؛ إذ تتراوح تكلفة الكيلوواط الساعي في سوريا بين 17 و18 سنتًا، بينما لا تتجاوز في دول الجوار 5 إلى 7 سنتات. هذا الفارق ينعكس مباشرة في السعر النهائي للمنتج؛ فكيلو القماش في تركيا يباع بخمسة دولارات، بينما يكلف في سوريا ستة دولارات قبل طرحه في السوق.
ثم يأتي عامل التهريب ليقضي على ما تبقى من قدرة الصناعة المحلية؛ إذ تدخل البضائع الصينية والتركية بأسعار منخفضة ومن دون حماية جمركية، مما يحول المنافسة من جودة إلى سباق أسعار خاسر. وبحسب ويس، فإن قطاعات كاملة — مثل الأحذية والأقمشة والجلود — تعرضت لشلل شبه كامل بسبب هذه الظاهرة.
ومع ذلك، تظهر نماذج صناعية تعاكس التيار، فقد عاد الصناعي محمد جمو من إسطنبول فور التحرير، وأعاد تشغيل مصنعه خلال أسبوعين فقط، ثم افتتح ثلاثة فروع في المدينة الصناعية والكلاسة وطريق الباب، ليصل عدد العاملين لديه إلى نحو 120 عاملًا.

ويرى جمو خلال حديثه لموقع سوريا 24 أن البيئة التشغيلية اليوم أفضل مما كانت عليه قبل سنوات، لكنه يربط النمو الحقيقي بفتح التصدير المنظم؛ قائلًا: “من دون تصدير سنبقى نخدم سوقًا محدودة لا تكفي لاستمرار الصناعة”.

عودة حذرة وقرارات حكومية مرتقبة
وبالنظر إلى الظروف الصعبة التي تمر بها الصناعة السورية، تحاول الدولة جاهدة تأمين حد مقبول من المقومات لحماية المنتج الوطني، حيث يقول نائب رئيس غرفة صناعة حلب إسماعيل حج حمد لموقع سوريا 24 إن الحكومة تدرس تخفيض حوامل الطاقة بهدف تقليل تكلفة الإنتاج وجعل المنتج المحلي قادرًا على المنافسة، معتبرًا أن هذه الخطوة ستكون نقطة العودة الفعلية للصناعة.

كما يشير إلى أن الرسوم الجمركية الحالية على البضائع المستوردة تقع في الحد الأدنى المقبول، وأن هناك دراسة لرفعها من أجل حماية المنتج الوطني من الإغراق التجاري.
ويضيف أن القوانين لا تصدر دفعة واحدة، بل تُطبق تدريجيًا طالما أن الحكومة مرنة وتتحاور مع الصناعيين. ويستشهد بحالة المنتجات الصينية قائلًا: “الصيني لا ينافسني بالجودة، لكنه يهزمني بالسعر. وعندما يدخل بلا ضوابط يكون أثره مدمرًا للسوق المحلي، لكنه يخرج سريعًا من المنافسة بسبب انعدام الجودة”.

وفي ختام حديثه يشبه الصناعة السورية بـ”مصارع محطم الأوصال في الحلبة يحاول الخروج منها والتعافي تدريجيًا”.
وتدعم لغة الأرقام هذا الواقع؛ فوفق تقرير غرفة صناعة حلب لعام 2024، يوجد 10501 منشأة صناعية مسجلة في المدينة موزعة على أربعة قطاعات رئيسية: 45% نسيجية، 21% كيماوية، 20% هندسية، و14% غذائية. لكن هذه الأرقام لا تعكس دائمًا تشغيلًا فعليًا؛ فعديد من المنشآت يعمل بنسب جزئية، وبعضها موسمي، بينما بعضها الآخر مغلق مؤقتًا.

وفي المدينة الصناعية بالشيخ نجار تعمل نحو 550 منشأة بكامل طاقتها، مقابل 200 منشأة تعمل بطاقة جزئية بسبب التكاليف وعدم استقرار التشغيل.

أما منطقة العرقوب فتضم نحو 1400 منشأة بين معامل وورش، إلا أن 10% فقط منها عاد إلى العمل، وغالبًا بطاقة تشغيل لا تتجاوز 10–25%.

ويجمع الصناعيون على معادلة واحدة لا يمكن تجاوزها: لا نهضة صناعية بلا ثلاث دعائم واضحة — طاقة مقبولة التكلفة، حماية جمركية للمنتج المحلي، ومسار تصدير منظم. وبينما تتحرك حلب ببطء نحو التعافي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تُحل هذه الملفات معًا… أم سيبقى الصناعي السوري يقاتل وحده في الحلبة؟

 

 

 

مقالات ذات صلة