شهد الاقتصاد السوري خلال عام 2025 تحولات جوهرية غير مسبوقة، عقب سقوط النظام السابق نهاية عام 2024، حيث انتقلت البلاد من مرحلة الانكماش والعزلة الدولية إلى مرحلة إعادة الانفتاح والتعافي المشروط، في ظل بيئة سياسية جديدة ومساعٍ حثيثة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الاقتصادية.
يرصد هذا التقرير أبرز التحولات الاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال عام 2025، وأبرز القرارات الحكومية في الملف الاقتصادي.
من قانون قيصر إلى فك العزلة الاقتصادية
دخل قانون قيصر الأميركي حيّز التنفيذ عام 2020، وفرض حصارًا اقتصاديًا خانقًا على سوريا طوال خمس سنوات، شمل الحكومة، المصرف المركزي، وقطاعات الطاقة والإعمار، وأوقف فعليًا الاستثمار الخارجي والتحويلات الرسمية.
في عام 2025 صدر قرار رسمي برفع الإطار العام لقانون قيصر، بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرسومًا تنفيذيًا يقضي بإنهاء العمل بالعقوبات الاقتصادية الشاملة، مع الإبقاء على عقوبات فردية مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.
ترافق هذا التحول مع تسوية متأخرات سوريا لدى البنك الدولي بقيمة 15.5 مليون دولار بدعم من السعودية وقطر، ما سمح بإعادة فتح قنوات مالية وتجارية كانت مغلقة منذ أكثر من عقد.
العودة إلى النظام المالي العالمي
في منتصف عام 2025 نُفذ أول تحويل مصرفي سوري عبر نظام SWIFT منذ أكثر من 14 عامًا، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا عمليًا على كسر العزلة المالية وعودة التجارة والتحويلات النظامية، رغم أن المؤسسات الدولية أكدت أن هذه العودة تبقى تقنية ومشروطة بإصلاحات مصرفية وقانونية أوسع.
نمو ضعيف وتعافٍ هش
قدّر البنك الدولي نمو الناتج المحلي السوري بنحو 1% خلال 2025 بعد انكماش بلغ نحو -1.5% في 2024، معتبرًا أن هذا التحسن الطفيف يعكس انتقال الاقتصاد من الانهيار إلى التعافي الهش، دون أن يعني دخول مرحلة نمو فعلي.
الرواتب ومستوى المعيشة
شكّل ملف الرواتب والأجور أحد أبرز الملفات الاجتماعية-الاقتصادية التي تعاملت معها الحكومة خلال عام 2025، في ظل تدهور القدرة الشرائية للموظفين وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة خلال سنوات الحرب والعقوبات.
فقبل عام 2025 كان الحد الأدنى لراتب موظف القطاع العام يقارب 250 ألف ليرة سورية شهريًا، وهو مستوى لم يكن يغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الأساسية للأسرة.
في النصف الأول من عام 2025 أُقرّت زيادة رسمية على الرواتب والأجور بنسبة 200%، ما رفع الحد الأدنى للأجر إلى نحو 750 ألف ليرة سورية شهريًا، أي ثلاثة أضعاف المستوى السابق. وكانت الحكومة قد أعلنت في بداية العام نيتها تنفيذ زيادات قد تصل إلى 400%، إلا أن ما نُفذ فعليًا واستقر في المراسيم التنفيذية كان رفعًا بنسبة 200% فقط، ضمن قدرة الخزينة العامة والموارد المتاحة.
ورغم أن هذه الزيادة مثّلت من حيث النسبة واحدة من أكبر الزيادات الاسمية في تاريخ الرواتب في سوريا، إلا أن أثرها الفعلي على مستوى المعيشة بقي محدودًا، إذ أشارت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات امتصّا جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة.
الكهرباء والطاقة: من العجز إلى أكبر اتفاقية في تاريخ القطاع
في 29 أيار/مايو 2025 وقّعت الحكومة السورية اتفاقية بقيمة تقارب 7 مليارات دولار مع تحالف دولي بقيادة شركة أورباكون القطرية لتطوير قطاع الكهرباء عبر إنشاء أربع محطات تعمل بالغاز الطبيعي بطاقة إجمالية تبلغ نحو 4000 ميغاواط، إضافة إلى مشاريع طاقة شمسية بطاقة تقارب 1000 ميغاواط.
توزعت المشاريع على شمال حلب (1200 ميغاواط)، دير الزور (1000)، زيزون (1000)، ومحردة (800). وفي ديسمبر 2025 وُضع حجر الأساس لمحطة دير الزور بقدرة 1000 ميغاواط، إيذانًا ببدء التنفيذ الميداني.
الاستثمار ومؤتمرات الأعمال
شهد عام 2025 توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات استثمارية تراوحت قيمتها بين 14 و25 مليار دولار خلال مؤتمرات في دمشق والرياض ومعرض دمشق الدولي، من بينها مشروع توسعة مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار، وتطوير ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار.
تحرير الاستيراد ودخول المواد الأساسية
خففت الحكومة القيود على استيراد الغذاء والدواء والوقود، وألغت أنظمة الاحتكار السابقة، ما أدى إلى تحسن توفر السلع الأساسية في السوق المحلية، دون أن يمنع استمرار ارتفاع الأسعار بسبب ضعف العملة وتكاليف النقل والطاقة.
في هذا السياق، صدرت سلسلة قرارات لتنظيم الاستيراد والتصدير، منها القرار رقم /3/ لعام 2025 الذي قضى بوقف استيراد بعض المنتجات الزراعية خلال كانون الثاني 2026، والمرسوم الرئاسي رقم 244 لعام 2025 الذي أنشأ الهيئة العامة للحدود والجمارك، إضافة إلى القرار رقم 354 الذي منع تصدير خردة المعادن مؤقتًا.
إعفاء نقل معدات المصانع من الرسوم
في تموز/يوليو 2025 صدر قرار بإعفاء نقل معدات المصانع والمعدات الإنتاجية من الرسوم الجمركية والضرائب حتى نهاية 2026، بهدف تشجيع عودة المعامل إلى الداخل السوري وخفض كلفة إعادة التشغيل.
وبحسب وزارة الاقتصاد، تجاوز عدد طلبات الاستفادة من هذا الإعفاء 1,250 طلبًا حتى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
الصندوق السيادي وإعادة تشغيل المعامل بعد المصادرات
برزت خلال عام 2025 سياسة إعادة هيكلة الاقتصاد السوري عبر السيطرة على أصول وشركات كانت مرتبطة بالنظام البائد، وإعادة إدارتها ضمن إطار مؤسسي جديد تمثّل في إنشاء صندوق سيادي يتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية، ويهدف إلى جمع هذه الأصول، إدارتها، وإعادة توظيفها داخل الدورة الاقتصادية الرسمية بدل بقائها مجمّدة أو محل نزاع.
وأفادت تحقيقات موسّعة نشرتها وكالة رويترز بأن لجنة خاصة أُنشئت بعد سقوط النظام أشرفت على التفاوض مع رجال أعمال نافذين كانوا يسيطرون على شركات استراتيجية، وأسفرت هذه العملية حتى منتصف 2025 عن تجميع أصول تُقدّر قيمتها بما لا يقل عن 1.6 مليار دولار، شملت قطاعات الاتصالات، المصارف، الصناعات الثقيلة، والعقارات، إضافة إلى السيطرة على نحو 1.5 مليار دولار من أصول ثلاث شركات كبرى، إلى جانب شركة الاتصالات الرئيسية التي تُقدّر وحدها بنحو 130 مليون دولار.
وبحسب الرواية الرسمية، يهدف الصندوق السيادي إلى إعادة تشغيل المعامل المتوقفة، إدخال الشركات إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوجيه العوائد نحو تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، في محاولة لتحويل هذه الأصول من أدوات نفوذ سياسي سابق إلى أدوات إنتاج وتنمية اقتصادية.
غير أن هذا المسار لا يزال يثير نقاشًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والاقتصادية، حيث تحذّر منظمات دولية من مخاطر غياب الأطر القضائية الواضحة لحماية حقوق الملكية وضمان العدالة الانتقالية، معتبرة أن نجاح هذا النموذج مرتبط بمدى شفافيته، خضوعه للمساءلة القانونية، وقدرته على الفصل بين إعادة الهيكلة الاقتصادية وممارسات المصادرة غير المنضبطة.
حملات التبرعات الوطنية
شهدت المحافظات السورية حملات تبرعات تجاوز مجموعها 1.06 مليار دولار، خُصصت لإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات المياه وبعض المنشآت الصناعية.
من التعافي المبكّر إلى إعادة الإعمار
قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، معتبرًا أن عام 2025 مثّل انتقالًا من مرحلة التعافي المبكر إلى التفكير الجدي في إعادة الإعمار.
استبدال العملة السورية
أُعلن خلال 2025 عن بدء استبدال العملة السورية بموجب المرسوم رقم 293 لعام 2025، مع حذف صفرين من القيمة الاسمية، على أن يبدأ التداول في كانون الثاني/يناير 2026، بهدف تسهيل المعاملات وتعزيز الثقة النقدية.
من المعاناة إلى الأمل
يُظهر مسار عام 2025 أن سوريا خرجت من مرحلة الانكماش المغلق إلى مرحلة إعادة التموضع الاقتصادي، عبر فك العزلة، تحرير جزئي للتجارة، إعادة توطين الصناعة، إطلاق مشاريع بنيوية، وإصلاحات نقدية أولية.
غير أن هذا الانتقال يبقى هشًا ومحكومًا بقيود مؤسسية ومالية واجتماعية، ما يجعل نجاحه مرهونًا بترسيخ سيادة القانون، حماية الحقوق الاقتصادية، جذب الاستثمار المنتج، وتحويل التعافي التقني إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.








