في الخامس من كانون الثاني/يناير من كل عام، تعود مجزرة حاجز علي الوحش إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر الجرائم دموية في جنوب دمشق، حيث تحوّل ما وُصف حينها بـ”الممر الإنساني” إلى فخ قاتل حصد أرواح مئات المدنيين المحاصرين. وفي ذكراها، لا يستحضر الأهالي الأرقام فقط، بل الوجوه والقصص واللحظات الأخيرة لأحبّتهم، في محاولة لحفظ الذاكرة ومنع طيّ واحدة من أبشع صفحات الحصار.
لم تكن مجزرة حاجز علي الوحش حادثة عابرة في سياق الحرب السورية، بل جريمة مكتملة الأركان تعكس وحشية الحصار الذي فُرض على بلدات جنوب دمشق، والمعاناة القاسية التي عاشها المدنيون تحت الجوع والقصف والحرمان. فمع اشتداد الحصار مطلع عام 2014، وبلوغ الأوضاع الإنسانية ذروتها، سُمح للأهالي بالخروج عبر حاجز علي الوحش، بعد وعود قُدمت لهم بأن العبور آمن ولن يتعرضوا لأي أذى.
يروي أحمد منصور الطحان، أحد أبناء المنطقة ومن الذين عاشوا الحصار وشهدوا المجزرة، أن الجوع دفع الناس دفعا إلى المخاطرة بحياتهم. ويقول إن كثيرين مكثوا أياما دون طعام أو ماء، ما جعل إعلان فتح المعبر أشبه بطوق نجاة. إلا أن هذا “الممر الإنساني”، بحسب وصفه، لم يكن سوى كمين غدر وخيانة، نُفذ بمشاركة قوات النظام السوري وميليشيات موالية له، من بينها ميليشيا “لواء أبو الفضل العباس”.
ويؤكد الطحان أن تاريخ الخامس من كانون الثاني/يناير 2014 شكّل لحظة فاصلة، حيث قُدّر عدد ضحايا المجزرة بنحو 1500 مدني، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، قُتلوا أو اعتُقلوا، ولا يزال مصير كثير منهم مجهولا حتى اليوم.
ومن بين الشهادات المؤلمة التي لا تفارق ذاكرة الشهود، قصة السيدة حسنة المطخان، التي دفعتها المجاعة إلى مغادرة المنطقة رغم توسلات الجيران. يروي الطحان أنها خرجت برفقة ابنتها الحامل وطفلها الصغير، لكنها ما إن وصلت إلى الحاجز حتى جرى اعتقالها، لترد لاحقا معلومات تفيد بتصفيتها ميدانيا، إلى جانب ابنتها الحامل وجنينها، في واحدة من أكثر الروايات قسوة عن المجزرة.
وتنقل شهادات نساء تمكنّ من العودة لاحقا أن المدنيين خضعوا لعمليات فرز قاسية عند الحاجز، حيث فُصلت النساء عن الأطفال، وكبار السن عن غيرهم. وتذكر الروايات أن عددا من النساء جرى احتجازهن في مسجد فاطمة، حيث تعرضن للتنكيل والضرب والسرقة، وجرى تجريدهن من المصاغ والأموال، إضافة إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق بعضهن، بما في ذلك الاغتصاب والقتل.
أما الرجال الطاعنون في السن، فيروي شهود عيان أن بعضهم أُعيد من جهة منطقة السبينة، بعد إيهامهم بأنهم أصبحوا خارج نطاق الحصار، مع تهديدهم بعدم الالتفات أو العودة نحو مناطق جنوب دمشق المحاصرة، في مشهد يعكس حجم الخداع الذي رافق المجزرة.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على المجزرة، تحيي بلدة يلدا ذكرى مجزرة شارع علي الوحش، في فعالية دعا إليها فريق “بناة الأثر” التطوعي، بالتعاون مع مجلس بلدة يلدا وفريق أبناء الجولان. وتشمل الفعالية عرضا بصريا توثيقيا يوثق شهادات ووقائع المجزرة، إلى جانب كلمات لشخصيات مجتمعية، وتغطية إعلامية تهدف إلى إعادة تسليط الضوء على الجريمة والتنديد بها، وفق ما أكده القائمون على الحملة لسوريا 24.
شكّلت مجزرة حاجز علي الوحش إحدى أبشع نتائج الحصار الذي فُرض على جنوب دمشق، حيث استُخدم الجوع كوسيلة للضغط على المدنيين، قبل أن يُستدرجوا إلى معابر قُدّمت على أنها آمنة. ومع مرور السنوات، لا يزال استذكار هذه المجزرة حقا للضحايا وواجبا أخلاقيا، يؤكد أن العدالة الغائبة لا تسقط الذاكرة، وأن الألم الذي عاشه أهالي جنوب دمشق لا يمكن أن يُنسى أو يُمحى.












