تشهد مدينة حماة أزمة سكنية متفاقمة، في ظل الارتفاع الحاد في أجور الإيجارات السكنية، ما أثقل كاهل الأهالي، ووسّع دائرة المتضررين لتشمل الطلاب الجامعيين والموظفين والعاملين، في وقت لم تعد فيه الرواتب قادرة على مواكبة تكاليف السكن، إذ يتراوح متوسط الأجور والدخول الشهرية بين 150 و200 دولار أميركي، وهو ما يقلّ بكثير عن الحد الأدنى لإيجارات الشقق داخل المدينة.
وقالت نجاح درويش، مديرة مدرسة عمار بن ياسر، إنّ أزمة الإيجارات باتت تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للأسر، مشيرة إلى أنّ الرواتب لم تعد تكفي سوى لتأمين الغذاء الأساسي، في حين يستنزف إيجار المنزل الجزء الأكبر من الدخل الشهري.
وأضافت أنّ كثيراً من العائلات تضطر إلى حرمان نفسها من احتياجات أساسية منذ بداية كل شهر، فقط من أجل تأمين بدل الإيجار، مؤكدة أنّ هذا الواقع لم يعد استثناء، بل تحوّل إلى حالة عامة.
وتذمّرت من غياب أي حلول عملية تخفّف من هذا العبء، معتبرة أنّ استمرار الأزمة يهدد الاستقرار الاجتماعي لعدد كبير من الأسر.
فروقات واضحة في الإيجارات قبل التحرير وبعده
وبحسب رصد السوق العقاري في المدينة، كانت أسعار الإيجارات في حماة قبل التحرير أقلّ نسبياً، إذ تراوح متوسط إيجار الشقة الواحدة بين 100 و250 دولاراً شهرياً، تبعاً للموقع والمساحة.
غير أنّ الأسعار شهدت بعد التحرير ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بات متوسط الإيجار يتراوح بين 200 و500 دولار شهرياً، وهو ما يعني أنّ كلفة السكن وحدها باتت تتجاوز أو تساوي كامل الدخل الشهري لمعظم الأسر.
ولفت سكان إلى أنّ موقع الشقة السكنية يلعب دوراً حاسماً في تحديد الأجرة، إذ ترتفع الأسعار في الأحياء القريبة من مركز المدينة والخدمات، بينما تبقى أقل نسبياً في المناطق القديمة، وإن كانت لا تزال مرتفعة قياساً بمستوى الدخل.
خريطة غير رسمية لأسعار الإيجارات
وبحسب رصد مراسلة سوريا 24 وتقديرات محلية، تتراوح الإيجارات في الحد الأدنى بين 150 و200 دولار شهرياً لشقق صغيرة في أحياء قديمة، وهو مبلغ يوازي متوسط الدخل الشهري تقريباً.
فيما تسجّل الفئة المتوسطة إيجارات تتراوح بين 250 و400 دولار لشقق متوسطة ضمن مناطق وسط المدينة، أي ما يتجاوز دخل معظم العاملين.
أمّا في المناطق الحديثة، فتصل إيجارات الشقق الفاخرة إلى ما بين 600 و1000 دولار شهرياً، وهو رقم يُعد خارج القدرة المالية للغالبية الساحقة من السكان.
طلاب جامعيون تحت ضغط البحث عن سكن
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على العائلات فقط، بل طالت شريحة الطلاب الجامعيين، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في العثور على سكن مناسب بالقرب من جامعاتهم، في ظل غياب أي دخل ثابت يغطي تكاليف الإيجار المرتفعة.
وفي هذا السياق، قالت الطالبة الجامعية بشرى شمعون إنّها، إلى جانب عدد من زميلاتها، أمضت فترة طويلة في البحث عن مسكن دون جدوى. وأوضحت أنّ معظم الشقق المعروضة تتجاوز إيجاراتها 250 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ يفوق قدرتهن المادية بكثير.
وأضافت أنّ الشقق التي تُعرض بإيجارات أقل، بحدود 150 دولاراً، تكون في الغالب صغيرة جداً، وقديمة، وبعيدة عن الجامعة، ما يفرض عليهن أعباء إضافية تتعلّق بالمواصلات والوقت.
واشتكت شمعون من أنّ هذه المعاناة تستنزف وقت الطالبات وجهدهن، وتؤثر سلباً على تحصيلهن الدراسي واستقرارهن النفسي، مؤكدة أنّ الطالبات بحاجة إلى بيئة مستقرة تساعدهن على التركيز في الدراسة وبناء مستقبلهن.
كما تذمّرت من غياب الرقابة على سوق الإيجارات، معربة عن أملها في إيجاد حلول عملية تخفّف عبء السكن وتتيح لهن العيش بكرامة.
أسباب الارتفاع… طلب متزايد وعرض محدود
ويرى متابعون للسوق العقارية أنّ هذا الارتفاع يعود إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها زيادة الطلب على السكن نتيجة النزوح من مناطق أخرى، في مقابل نقص واضح في المعروض السكني.
كما ساهم ارتفاع تكاليف البناء ومواد الإكساء، إلى جانب التدهور العام في الوضع الاقتصادي، في دفع مالكي العقارات إلى رفع الأسعار، ما أدّى إلى فجوة متزايدة بين الدخول ومستوى الإيجارات.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أنّ الطلب على السكن في حماة ارتفع بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة منذ التحرير، ما فاقم الضغط على سوق يعاني أصلاً من اختلالات بنيوية.
الحل في زيادة العرض السكني
وفي هذا السياق، قال الخبير في قطاع الإنشاءات نورس قيطاز إنّ معالجة أزمة السكن لا يمكن أن تتم عبر ضبط الأسعار فقط، بل تتطلب زيادة العرض السكني.
وأوضح أنّ ذلك يستدعي تشجيع الاستثمار في قطاع البناء، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع السكنية، إلى جانب دور أكثر فاعلية للحكومة في تأمين سكن ميسّر للفئات الأشد حاجة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
معاناة يومية وغياب البدائل
واشتكى عدد من الأهالي من أنّ الإيجارات المرتفعة باتت تلتهم كامل الدخل الشهري أو الجزء الأكبر منه، ما يدفعهم إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية.
وأشاروا إلى أنّ استمرار الأزمة من دون حلول واضحة ينذر بتداعيات اجتماعية واقتصادية أعمق، في وقت يطالب فيه السكان بسياسات إسكانية واضحة تخفف عنهم عبء السكن وتمنحهم قدراً من الاستقرار.












