بعد عام على التحرير… تل رفعت تستعيد حياتها بجهود سكانها مع غياب الإعمار

حجم الخط

بين أبنية ما تزال تحمل آثار القصف ومحال تجارية أُعيد فتحها تدريجياً، تحاول مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي استعادة إيقاع حياتها اليومية بعد عام على التحرير. في الأسواق والشوارع الرئيسية تبدو الحركة آخذةً في التحسن، مدفوعةً أساساً بجهود الأهالي أنفسهم، في ظل تراجع واضح لنشاط المنظمات الإنسانية وغياب مشاريع إعادة إعمار واسعة.

هذا التعافي التدريجي لا يعكس نهاية التحديات بقدر ما يكشف عن محاولة مجتمعية لإعادة بناء الحياة بالإمكانات المتاحة، بعد سنوات من النزوح والدمار.

موقع استراتيجي ومسار عسكري معقّد

تقع تل رفعت على بعد نحو 25 كيلومتراً شمال مدينة حلب، عند نقطة وصل جغرافية تربط أعزاز ومارع ومنبج، وهو ما منحها أهمية استراتيجية خلال سنوات الصراع السوري. وكان عدد سكانها قبل عام 2011 يُقدَّر بين 20 و25 ألف نسمة، قبل أن تشهد موجات نزوح واسعة منذ عام 2016.

في شباط/فبراير 2016 سيطرت “قسد” على المدينة، واستمر وجودها فيها لسنوات ضمن ترتيبات عسكرية معقدة في شمال حلب، قبل انسحابها خلال عام 2025، لتدخل بعدها القوات الحكومية، المكوّنة من مجموعة من فصائل المعارضة التي أسقطت نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وتبسط سيطرتها على المدينة.

وتشير تقديرات محلية إلى أن نسبة الدمار في الأبنية والبنية التحتية تراوحت بين 40 و60 في المئة، ما جعل إعادة الإعمار التحدي الأبرز أمام عودة الاستقرار.

مبادرات أهلية تقود التعافي

الأستاذ بشير عليطو، عضو مجلس الشعب وأحد أبرز الوجوه في المدينة، يرى أن ما تشهده المدينة اليوم هو نتيجة مباشرة لروح المبادرة لدى سكانها، موضحاً أن معظم المنظمات الإنسانية قلّصت نشاطها في الريف الشمالي وغادرت تل رفعت رغم الحاجة المستمرة إلى الدعم.

وأضاف أن الدعم الحكومي لا يزال يتركز في الجوانب الإدارية والتنظيمية دون مشاريع إعمار ملموسة على الأرض، الأمر الذي دفع الأهالي إلى الاعتماد على إمكاناتهم الذاتية لإعادة تشغيل المرافق الأساسية.

وبحسب عليطو، تتمثل الأولويات الحالية في إعادة تأهيل الطرق والمرافق العامة والدوائر الحكومية، إلى جانب توفير كوادر عاملة في قطاعات الصحة والمياه والنظافة والتعليم.

البنية التحتية كشرط للاستقرار

من جانبه، يؤكد خالد درباس أن إعادة تأهيل البنية التحتية تمثل العامل الحاسم في عودة السكان واستقرارهم، مشيراً إلى أن إصلاح الطرق وتعبيدها ساهما في تنشيط الحركة التجارية وعودة جزء من النشاط الاقتصادي إلى المدينة.

ويرى درباس أن التعافي لا يقتصر على الخدمات فقط، بل يشمل الجانب النفسي أيضاً، حيث يسهم تجهيز الحدائق والمرافق الرياضية في إعادة الإحساس بالحياة الطبيعية بعد سنوات النزوح، بالتوازي مع الجهود المبذولة لتجهيز المركز الصحي وتعزيز التعاون مع المؤسسات الخدمية والأمنية.

ذاكرة النزوح وروح العمل الجماعي

بدوره، يوضح عمر محمد جرات أن أهالي تل رفعت تميزوا بثقافة العمل الجماعي والاعتماد على الذات حتى خلال سنوات النزوح، حيث أطلقوا مبادرات لدعم التعليم ومساعدة المرضى وتأمين احتياجات المجتمع الأساسية.

ويشير إلى أن هذه الروح استمرت بعد التحرير، إذ بدأت حملات إزالة الأنقاض فوراً، وشرع السكان في ترميم منازلهم دون انتظار تدخل المنظمات، ما ساهم في عودة الحياة بوتيرة أسرع مقارنة بمناطق أخرى رغم حجم الدمار الكبير.

تحديات خدمية تعيق التعافي الكامل

ورغم التحسن التدريجي، لا تزال المدينة تواجه تحديات خدمية كبيرة، أبرزها غياب مركز طبي متكامل قادر على تقديم خدمات تشخيصية أساسية، ما يضطر المرضى إلى التوجه إلى مدن مجاورة. كما تحتاج شبكات المياه والصرف الصحي إلى أعمال إصلاح وتوسعة بعد الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات القصف، في وقت يتزايد فيه النشاط التجاري والصناعي بوتيرة أسرع من قدرة البنية التحتية الحالية على الاستيعاب.

بين التعافي الهش وانتظار الإعمار

بعد عام على التحرير، تبدو تل رفعت مدينة تعيش مرحلة انتقالية بين عودة تدريجية للحياة واستقرار لم يكتمل بعد. فبين جهود الأهالي لإعادة بناء منازلهم وفتح محالهم من جديد، يبقى التعافي مرتبطاً بقدرة المدينة على استعادة خدماتها الأساسية بشكل مستدام.

وفي وصفه لما جرى خلال الأشهر الماضية، يؤكد عمر محمد جرات أن عودة الأهالي إلى المدينة جعلت منها مكاناً للحياة بعد أن استقر فيها الموت لسنوات، قائلاً: “بدأ الأهالي بعد التحرير مباشرة بإزالة الأنقاض وترميم منازلهم دون انتظار المنظمات، وعادت الحياة بشكل شبه طبيعي خلال فترة قصيرة رغم حجم الدمار الكبير”.