تثير احتمالات تحوّل جنوب لبنان إلى ساحة لعملية برية “إسرائيلية” واسعة مخاوف متزايدة في الأوساط السياسية والإنسانية في المنطقة، ولا سيما في سوريا التي ما تزال تواجه تحديات كبيرة بعد سنوات طويلة من الحرب.
ولن يقتصر تأثير أي تصعيد عسكري إسرائيلي واسع في لبنان على حدوده، بل قد يمتد ليطال الداخل السوري عبر تداعيات إنسانية وأمنية واقتصادية معقدة، في مقدمتها احتمال تدفق موجات نزوح جديدة باتجاه الأراضي السورية.
وتأتي هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع الدائر في المنطقة، حيث أسهمت الحرب المتشابكة بين القوى الإقليمية في إعادة رسم ملامح التوازنات السياسية والأمنية.
وبينما تبدو سوريا بعيدة نسبيا عن خطوط المواجهة المباشرة حتى الآن، إلا أن تداعيات النزاع الإقليمي تضعها أمام تحديات غير مباشرة قد تكون ثقيلة الوطأة على بلد لم يتعاف بعد من آثار الحرب.
مخاوف من عملية برية واسعة في جنوب لبنان
وتزداد المخاوف مع تصاعد الحديث عن احتمال إطلاق عملية برية كبيرة في جنوب لبنان، وهو سيناريو قد يؤدي إلى دمار واسع النطاق ونزوح جماعي للمدنيين.
ويأتي ذلك في ظل تحذيرات عسكرية وتصريحات متبادلة تشير إلى إمكانية توسع نطاق العمليات، الأمر الذي يثير قلقا واسعا بشأن مستقبل الوضع الإنساني في لبنان والمنطقة المحيطة.
ويضم لبنان أصلا مئات آلاف اللاجئين السوريين الذين يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة نتيجة الأزمة المالية الحادة التي تضرب البلاد منذ سنوات.
وفي حال تصاعد القتال بشكل كبير، قد يجد كثير من هؤلاء أنفسهم مضطرين لمغادرة مناطقهم مجددا، في وقت قد يضطر فيه أيضا عدد من المدنيين اللبنانيين إلى النزوح بحثا عن مناطق أكثر أمنا.
وفي مثل هذا السيناريو، تبدو سوريا، بحكم القرب الجغرافي وسهولة الوصول النسبي، واحدة من الوجهات المحتملة للنازحين، رغم أن واقعها الداخلي لا يسمح باستيعاب موجات كبيرة من الوافدين.
سوريا غير مهيأة لاستقبال موجات نزوح جديدة
ويحذر خبراء من أن سوريا ما تزال تعاني من ضعف شديد في بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية نتيجة سنوات الصراع الطويلة.
كما أن الاقتصاد السوري يمر بمرحلة صعبة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان، إلى جانب استمرار التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار والخدمات.
وفي هذا السياق، قال المختص بالعلاقات الدولية الدكتور أنس البو، في حديث لمنصة سوريا 24، إن تحوّل جنوب لبنان إلى ساحة لعملية برية واسعة قد يترك انعكاسات إنسانية وأمنية مباشرة على سوريا.
وأوضح أن القرب الجغرافي والتداخل السكاني بين البلدين يجعلان من سوريا إحدى الدول الأكثر تأثرا بأي تصعيد كبير في لبنان، مشيرا إلى أن احتمالات تدفق موجات جديدة من النازحين تبقى قائمة مع كل تصعيد عسكري واسع.
وأضاف أن البلاد لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وخدمية كبيرة بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات، وهو ما قد يضع ضغوطا إضافية على البنية التحتية المحدودة وعلى قدرات الاستجابة الإنسانية.
وشدد البو على أن الحاجة تبدو ملحة حاليا لتكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، وتعزيز دور المنظمات الدولية في دعم الاستجابة الإنسانية، بما يخفف من حدة التداعيات ويحول دون اتساع رقعة الأزمة في المنطقة.
تداعيات اقتصادية واجتماعية محتملة
من جهتها، ترى الصحفية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستشراقية أورنيلا سكر، أن أي عملية برية واسعة في جنوب لبنان قد تحمل تداعيات إنسانية واجتماعية غير مسبوقة على سوريا.
وقالت في حديث لمنصة سوريا 24، إن البنى التحتية السورية تعاني أساسا من “هشاشة كبيرة” نتيجة سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية، وهو ما يجعلها غير قادرة على استيعاب موجة نزوح مفاجئة وكبيرة.
وأضافت أن المفارقة تكمن في أن سوريا، التي كانت خلال السنوات الماضية مصدرا لملايين اللاجئين، قد تجد نفسها فجأة أمام واقع جديد يتمثل في تحولها إلى بلد استقبال لموجات نزوح جديدة.
وترى سكر أن هذا السيناريو قد يفرض ضغوطا إضافية على الموارد الأساسية مثل الغذاء والطاقة، خاصة في المناطق الحدودية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية على السكان المحليين.
كما قد تتأثر الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد نتيجة أي اضطرابات أمنية أو موجات نزوح كبيرة، الأمر الذي قد يعمق الأزمة الاقتصادية التي يعانيها السوريون أصلا.
مخاوف من توسع رقعة الصراع
وتتجاوز المخاوف السورية حدود النزوح الإنساني لتشمل احتمال توسع رقعة الصراع إقليميا، في حال تحولت الأراضي السورية إلى جزء من التفاعلات العسكرية المرتبطة بالمواجهة بين القوى الإقليمية.
وفي هذا السياق، فإن استمرار التصعيد قد يضع دمشق أمام تحديات سياسية وأمنية معقدة، خصوصا في ظل مساعيها للحفاظ على موقف حذر إزاء التطورات الإقليمية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو سوريا أمام معادلة صعبة: فهي تحاول استعادة قدر من الاستقرار الداخلي بعد سنوات طويلة من النزاع، لكنها في الوقت نفسه تبقى عرضة لتداعيات الأزمات الإقليمية المحيطة بها.
الحاجة إلى تحرك دولي مبكر
ومع تزايد المخاوف من التصعيد، يرى خبراء أن التعامل مع تداعيات الأزمة يتطلب تحركا دوليا مبكرا يركز على منع اتساع النزاع، إلى جانب الاستعداد لاحتمالات الطوارئ الإنسانية.
وفي حال تحولت المواجهات في جنوب لبنان إلى حرب برية واسعة، فإن آثارها لن تبقى محصورة في ساحة القتال، بل قد تمتد إلى دول الجوار، لتعيد فتح ملفات النزوح واللاجئين والاستقرار الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة.
