كهرباء حمص…تحسن تدريجي وفوارق واضحة بين الأحياء رغم التحديات

حجم الخط

في مدينة أنهكتها سنوات الحرب، لا تزال الكهرباء واحدة من أكثر الملفات حساسية في حياة السكان اليومية، حيث تتقاطع آثار الدمار الواسع مع تحديات إعادة الإعمار ونقص الموارد.

وبينما تشير شكاوى السكان إلى ضعف التيار الكهربائي وتفاوت التغذية بين الأحياء، خصوصا في المناطق المتضررة، تؤكد الجهات المعنية أن التحسن الجاري يتم بشكل تدريجي وضمن إمكانيات محدودة.

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في سوريا تعد الأكبر بين القطاعات، إذ شكلت نحو 48% من إجمالي الخسائر المباشرة، بقيمة تقارب 52 مليار دولار. كما تضرر نحو ثلث رأس المال الثابت في البلاد نتيجة الحرب، مع خسائر مادية مباشرة تجاوزت 108 مليارات دولار.

ضمن هذا المشهد، كان قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات تضررا، إذ تعرضت محطات التوليد وخطوط النقل ومراكز التحويل للتدمير أو الإهمال، ما أدى إلى انهيار كبير في كفاءة الشبكة وارتفاع الفاقد الفني والتجاري. وتشير تقارير حديثة إلى أن سوريا تنتج اليوم نحو 1.6 غيغاواط فقط من الكهرباء، مقارنة بـ 9.5 غيغاواط قبل عام 2011، أي انخفاض يقارب 80% من القدرة الإنتاجية.

في حمص، التي كانت إحدى أبرز ساحات المواجهات، ينعكس هذا الدمار بشكل مباشر على حياة السكان، حيث يظهر التباين واضحا بين الأحياء.

في حي دير بعلبة، يقول المواطن أحمد رحال إن التيار الكهربائي في الحي يعاني من ضعف شديد، مشيرا إلى أن الكهرباء “لا تصل بشكل كاف”، وفي حال توفرها تكون بجهد منخفض لا يتجاوز نحو 160 فولت، ما يجعل استخدامها محدودا جدا.

وأوضح رحال أن هذا الضعف يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية، لافتا إلى أن الإضاءة والأجهزة الكهربائية لا تعمل بالشكل المطلوب بسبب انخفاض التوتر الكهربائي.

وأكد أن هناك فروقات واضحة بين الأحياء المتضررة وغير المتضررة في مستوى التغذية الكهربائية، حيث تعاني المناطق المتضررة من ضعف أكبر في الخدمة.

وأشار إلى وجود ضغط كبير على البنية الكهربائية في الحي، موضحا أن عددا كبيرا من العائلات يعتمد على تجهيزات محدودة لا تتحمل هذا الحمل، ما يؤدي إلى أعطال متكررة وانقطاعات مستمرة.

وبين رحال أن الحل يكمن في توسيع البنية التحتية الكهربائية، من خلال زيادة قدرة التجهيزات واستبدالها بأخرى أكبر تلبي حاجة السكان، مؤكدا أن الوضع الحالي “لا يحتمل” في ظل الكثافة السكانية المرتفعة.

أما في حي الخالدية، فيشير المواطن عبد القادر الخليل إلى تحسن نسبي في الخدمة، مشيرا إلى أن واقع الكهرباء شهد تحسنا نسبيا مقارنة بالفترة السابقة، وأن التيار الكهربائي بات يصل وفق برنامج شبه ثابت.

وأوضح الخليل أن الكهرباء تأتي حاليا بمعدل ساعتين وصل مقابل أربع ساعات قطع، لافتا إلى أن استقرار المواعيد شكل فرقا مهما في حياة السكان، إذ بات بإمكانهم تنظيم استخدام المياه والأجهزة المنزلية بشكل أفضل.

وأكد أن هذا التحسن يعد ملحوظا مقارنة بالسابق، حيث كانت الكهرباء تصل بشكل غير منتظم، ما تسبب بمعاناة كبيرة للأهالي.

ولفت إلى استمرار وجود فروقات واضحة بين الأحياء المتضررة وغير المتضررة، مبينا أن المناطق التي لم تتعرض لدمار كبير تحصل على ساعات تغذية كهربائية أفضل.

وأضاف الخليل أن التحسن الحالي لا يزال غير كاف، موضحا أن ساعتين من التغذية لا تلبي احتياجات السكان اليومية، معربا عن أمله في أن تتحسن الخدمة أكثر خلال الفترة المقبلة، لتصل إلى مستوى الأحياء الأقل تضررا.

وفي حي التأمينات، يبدو الوضع أكثر استقرارا نسبيا، حيث يوضح المواطن بلال السقا أن الكهرباء تحسنت بنسبة تقارب 70% مقارنة بالسابق، مع انتظام أكبر في ساعات التغذية، ما خفف جزئيا من معاناة السكان.

هذه الفوارق تعكس واقعا أوسع على مستوى البلاد، حيث لا تزال مناطق كثيرة تعتمد على ساعتين إلى أربع ساعات كهرباء يوميا فقط في بعض الفترات، نتيجة تضرر الشبكة ونقص الوقود.

كما أن الخسائر لا تقتصر على التوليد، بل تمتد إلى شبكات النقل والتوزيع، التي تعاني من فاقد مرتفع بسبب الأعطال الفنية والاستجرار غير المشروع، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من الطاقة المنتجة لا يصل فعليا إلى المستهلكين.

وفي هذا السياق، أفاد مسؤول طوارئ الكهرباء في حمص، مضر جحواني، أن واقع الشبكة الكهربائية في المدينة كان “تحت الصفر” خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن أعمال التأهيل التي جرت في أحياء مثل الخالدية والبياضة ساهمت في تحسين الواقع، إلا أن التحسن لا يزال تدريجيا، مؤكدا أن هذا القطاع “ليس مسحة سحرية” وإنما يحتاج إلى وقت وجهد متواصل.

وأوضح جحواني أن شبكة الكهرباء في حمص تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، لافتا إلى أن العمل جار على إعادة مراكز التحويل بشكل تدريجي في الأحياء الأكثر تضررا، حيث تم تنفيذ أعمال في مناطق العلو والذواق والخالدية والبياضة، إضافة إلى إعادة تشغيل خمسة مراكز تحويل في حي البياضة، مع تنفيذ أعمال سابقة في خليفة الحمود، ضمن خطة لإعادة تأهيل البنية التحتية.

وأكد أن ضعف التيار الكهربائي في بعض الأحياء، مثل جورة الشياح وكرم الشمشم، لا يعود إلى نقص التوليد، بل إلى مشكلات داخلية في الشبكة، أبرزها نقص عدد مراكز التحويل والتوسع في الشبكة، إلى جانب تأثير العشوائيات والتعديات على الشبكة الكهربائية.

وأشار إلى أن التقنين الكهربائي في حمص يطبق بشكل موحد دون تمييز بين الأحياء، باستثناء بعض المناطق الصناعية مثل حسياء والمناطق الصناعية التي تحتاج إلى تغذية أكبر، مؤكدا أن بقية الأحياء تخضع لنفس برنامج التقنين.

وبين أن ساعات التغذية الكهربائية ترتبط بكمية التوليد وتوفر الغاز، حيث قد تتجاوز في بعض الأحيان ما بين 15 و20 ساعة يوميا، بينما تنخفض في أوقات أخرى إلى نحو 10 ساعات، ما ينعكس على برنامج التقنين الذي يصل إلى ساعتين وصل مقابل أربع ساعات قطع.

وأكد جحواني أن مراكز التحويل العاملة حاليا تتعرض لضغط كبير يفوق طاقتها، نتيجة نقص عددها، إضافة إلى تأثير العشوائيات، محذرا من أن هذا الضغط قد يؤثر على استقرار الشبكة في المستقبل.

وفيما يتعلق بالفاقد الكهربائي، أفاد بأنه يبلغ نحو 70% نتيجة تضرر الشبكة والبنية التحتية في المناطق المتضررة، إضافة إلى الاستجرار غير المشروع، مقابل نحو 30% فقط استجرار نظامي.

وأوضح أن نسبة الاستجرار غير المشروع مرتفعة، وأن الفرق الفنية تعمل على الحد منها عبر مد كابلات وتركيب علب جدارية في الشوارع المتضررة، إلى حين قيام المواطنين بالحصول على اشتراكات نظامية، بهدف تنظيم الاستجرار الكهربائي.

وأكد أن تحصيل فواتير الكهرباء يواجه صعوبات، خاصة في المناطق الفقيرة والمتضررة، بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة، لافتا إلى أن بعض المناطق تشهد ضعفا في الالتزام بالدفع، مع دعوة المواطنين إلى تحسين نسبة التحصيل.

وأشار إلى أن خطة العمل الحالية تقوم على التقدم “خطوة خطوة” في الأحياء المتضررة، من خلال إدخال الشبكات النظامية وتركيب العدادات والكابلات، وزيادة عدد مراكز التحويل، مبينا أن الأعمال نفذت في الخالدية والعلو والذواق وخليفة الحمود، على أن تشمل المرحلة المقبلة كرومة ومنطقة المستوصف.

وختم جحواني بالتأكيد على أن تحسن واقع الكهرباء في حمص قادم، لكنه يحتاج إلى صبر، في ظل حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، مشددا على أن إعادة الإعمار تتطلب وقتا وجهدا، قائلا إن “ألف عامل لا يمكن أن يعوضوا حجم التخريب الذي تراكم خلال 14 عاما”، داعيا إلى تعاون المواطنين للمساعدة في تحسين الواقع الخدمي.