في مساحة صغيرة ازدانت بتفاصيل الذاكرة وروائح الماضي، اجتمعت نساء سوريات ليحوّلن الحرف اليدوية إلى لغة حية تعبّر عن الهوية والصمود. لم يكن المعرض مجرد عرض لمنتجات تقليدية، بل مساحة تروي قصص نساء اخترن أن ينسجن من خيوط الكروشيه والشموع والزراعة حكايات عن البقاء والإبداع، في مشهد يعكس حضور المرأة السورية كصانعة للتراث وحارسة له في آن واحد.
تقول سناء كوكش، منظمة المعرض، في حديث خاص لموقع سوريا 24، إن الفعالية جاءت بتوجيه من وزارة الثقافة ضمن افتتاح “أسبوع التراث المادي”، وبالتعاون مع مديرية الثقافة في دمشق، حيث شارك فريق “مبادرات التطوعي” المؤلف من مجموعة شابات متطوعات في تنظيم الحدث. وتوضح أن المعرض خصص لعرض التراث الدمشقي، لا سيما تراث حيّي كفرسوسة والمزة، عبر ركن ضم مشغولات يدوية وإكسسوارات ولباسا شعبيا، إلى جانب مقتنيات زراعية تعكس طبيعة المنطقة التي كانت في السابق أراضي زراعية. وقد توزعت هذه المعروضات على عشر طاولات، احتوت أيضا على قطع من جهاز العروس ومقتنيات تراثية قديمة تعيد الزائر إلى تفاصيل الحياة الدمشقية الأولى.
وفي ركن آخر، خصص معرض للمشغولات اليدوية قدمت فيه نساء من حي المزة أعمالا “هاند ميد” تنوعت بين الكروشيه والشموع وصناعة الإكسسوارات، بما فيها إكسسوارات الشعر، إضافة إلى مبادرات زراعية صغيرة عرضت نباتات تقليدية مثل الحبق والنعناع، في محاولة لإحياء أنماط الزراعة البلدية القديمة. ولفتت كوكش إلى أن المشاركات توزعن أيضا على عشر طاولات، عكست مستوى لافتا من الإبداع والتميز.
ولم يغفل المعرض الجانب المجتمعي، إذ خصص قسم للأطفال تضمن ألعابا حركية وأنشطة ذكاء، مع دمج خاص للأطفال من ذوي الهمم، حيث تولت متطوعات الإشراف على هذه الفئة والعمل على إشراكها في الأنشطة، مع تركيز واضح على تعزيز الدمج والتفاعل.
أما القسم الرابع، فكان الأكثر حملا للذاكرة، إذ خصص لعرض أرشيف الثورة السورية منذ 15 آذار وحتى اليوم، مع تركيز على المرحلة السلمية في بداياتها. وضم الركن أدوات من المظاهرات السلمية، من أعلام ومنشورات و”طبّات الحرية”، إلى جانب مجلة “ريشة مندسة” التي كانت تطبع وتوزع سرا في الأحياء وعلى السيارات وحتى قرب المؤسسات الحكومية، في نشاط كلف بعض القائمين عليه حياتهم. وتؤكد كوكش أن عرض هذه المواد يأتي وفاء لأرواحهم، وإتاحة للناس للاطلاع على تلك المرحلة المفصلية.
من جانبها، تقول رنيم زهرا، مسؤولة معرض المشغولات اليدوية، إن الفعالية سعت إلى التعبير عن جهود النساء وتراثهن، ودمج ذلك مع النشاط الثوري في كفرسوسة، مشيرة إلى أن نجاح المعرض يحمل دلالات تتجاوز الفعالية بحد ذاتها.
وتضيف أن الإبداع لا يمكن أن يزدهر إلا في زمن الحرية، فبعد سنوات من القيود والتهميش التي طالت التراث والأصالة، أتيحت الفرصة اليوم لإطلاق طاقات الشابات وإبراز مواهبهن. وتؤكد أن العمل اليدوي لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح وسيلة للتعبير الحر، حيث تحكي كل قطعة قصة صمود، وتمثل بصمة فخر لامرأة اختارت أن تكون معيلة ومبدعة في الوقت ذاته.




