تشهد محافظة دير الزور حالة من الغياب شبه التام للمنظمات والمؤسسات المجتمعية والمبادرات الشبابية، في مشهد يعكس عمق الأزمات التي خلّفتها سنوات الحرب، وما تبعها من دمار واسع وتهجير قسري طال شريحة كبيرة من السكان، خصوصاً فئة الشباب.
ويؤكد كل من فاضل كاظم وزياد الحسين، من سكان دير الزور، في حديث لمنصة سوريا 24، أن دير الزور تُعد من أكثر المحافظات السورية تضرراً، حيث أدت العمليات العسكرية السابقة إلى تراجع واضح في عدد الشباب نتيجة الهجرة القسرية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على النشاط المجتمعي والحراك المدني.
تراجع دور الشباب وضعف الإمكانيات
وبحسب كاظم، لا تزال هناك فئة من الشباب تحاول العمل ضمن الإمكانيات المحدودة، إلا أن غياب الخدمات الأساسية يشكل عائقاً كبيراً أمام تطوير قدراتهم، مشيراً إلى أن ضعف البنية التحتية، وخاصة خدمات الإنترنت، يحد من فرص الإبداع والمبادرة.
في المقابل، يوضح الحسين أن ما تبقى من منظمات ومؤسسات غير رسمية يعمل بقدرات محدودة للغاية، في ظل غياب دعم حقيقي ومستدام، لافتاً إلى أن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل تسعى إلى استقطاب منظمات مجتمع مدني، إلا أن هذه الجهود تبقى مرهونة بحجم التمويل المتوفر.
فجوة في التواصل وسيطرة شبه حكومية
وفي توصيفه للواقع الإداري، يشير الحسين إلى وجود انقطاع واضح في التواصل بين الحكومة المحلية والمجتمع المدني، مبيناً أن قنوات التواصل الحالية تمر عبر الشؤون السياسية في المحافظة، والتي باتت تؤدي دوراً مشابهاً لما كانت تقوم به “الجبهة الوطنية التقدمية” في عهد النظام السابق.
ويضيف أن هذا الواقع أضعف بشكل كبير دور المؤسسات الشبابية، التي تكاد تكون غائبة، في ظل غياب مفهوم الحوكمة الفاعلة، ما أدى إلى تراجع العمل المؤسسي المستقل.
تضييق على المنظمات وبرامجها
ويؤكد كاظم أن المنظمات التي تحاول العمل في دير الزور تواجه تحديات إضافية، أبرزها ما وصفه بـ”السيطرة شبه الحكومية” على نشاطها، بما في ذلك البرامج الدولية، حيث يتم، وفق قوله، فرض تدخلات في آليات العمل، وحتى في تعيين بعض الكوادر المرتبطة بالجهات المحلية.
هذا الواقع، بحسب المتحدثين، أدى إلى عزوف العديد من الجهات الدولية عن العمل في المحافظة، خاصة في ظل غياب بيئة مناسبة تضمن استقلالية العمل المدني.
غياب الدعم الدولي وتراجع المبادرات
ويشير الحسين إلى أن المبادرات الشبابية التي ظهرت في بداية مرحلة ما بعد “التحرير” شهدت تراجعاً حاداً، وصولاً إلى شبه اختفائها، نتيجة غياب الدعم الدولي وندرة الجهات المانحة، إضافة إلى محاولات فرض أجندات حكومية على هذه المبادرات.
كما يلفت إلى أن المحافظة لم تتخذ خطوات فعالة لتشجيع المنظمات الدولية على الدخول، في ظل غياب الإحصاءات الدقيقة والدراسات التقييمية الجادة، واصفاً التقييمات الحالية بأنها “ضعيفة جداً” ولا تلبي متطلبات العمل التنموي.
اختناق سياسي وثقافي يفاقم الأزمة
ويجمع المتحدثان على أن المناخ السياسي والثقافي السائد في دير الزور يشكل عاملاً إضافياً في إضعاف المبادرات الشبابية، حيث يسهم هذا “الاختناق”، وفق وصفهم، في تقليص المساحات المتاحة للعمل العام والتطوعي.
وفي ظل هذه التحديات المركبة، تبدو دير الزور أمام معضلة حقيقية تتطلب تدخلات عاجلة لإعادة تنشيط المجتمع المدني، ودعم الشباب، وخلق بيئة مناسبة تتيح لهم المساهمة في إعادة بناء مجتمعهم، بعيداً عن القيود الإدارية والسياسية التي تعيق تطور هذا القطاع الحيوي.