شهدت العاصمة السورية دمشق، اليوم السبت، زيارة رسمية لرئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، في إطار مسار متواصل من المشاورات الثنائية بين البلدين منذ التحولات السياسية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024.
وضم الوفد اللبناني نائب رئيس الحكومة طارق متري وعدداً من الوزراء، في زيارة ركزت على ملفات التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري، إضافة إلى القضايا العالقة بين بيروت ودمشق، وفي مقدمتها ضبط الحدود، وملف النازحين السوريين، والاتفاقيات الثنائية بين البلدين.
وأكد سلام عقب اللقاء أن زيارته جاءت “للعمل على تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف الأصعدة”، مشيراً إلى أن نتائجها “ستظهر قريباً”، في إشارة إلى وجود تفاهمات عملية يجري العمل على ترجمتها خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي الزيارة في ظل تطورات إقليمية متسارعة، أبرزها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، والتغيرات السياسية والأمنية التي تدفع البلدين نحو رفع مستوى التنسيق والتواصل، بما ينسجم مع ما تصفه الحكومتان بـ”مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
الحدود والتهريب في صدارة المباحثات
الملف الأمني حضر بقوة في المحادثات السورية – اللبنانية، خاصة ما يتعلق بضبط الحدود المشتركة ومنع عمليات التهريب، في ظل تعقيدات أمنية متراكمة على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين.
وقال سلام إن الجانبين أكدا ضرورة “تشديد ضبط الحدود ومنع التهريب”، مشدداً على استمرار التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت، وهو مسار كان قد بدأ بشكل عملي خلال زيارته الأولى إلى دمشق في نيسان الماضي.
كما ناقش الجانبان ملف ترسيم الحدود والمعابر، إلى جانب القضايا القضائية العالقة، في محاولة لمعالجة ملفات لطالما شكلت مصدر توتر بين البلدين خلال العقود الماضية.
وتبرز أهمية هذا التنسيق بالنسبة للبنان في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن الداخلي، وحرص الحكومة اللبنانية على تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة واحتكارها لقرار الحرب والسلم، خصوصاً مع استمرار التوترات على الحدود الجنوبية مع إسرائيل.
ملف النازحين واتفاق نقل السجناء
ملف النازحين السوريين شكّل محوراً رئيسياً في المباحثات، حيث أكد سلام اتفاق الجانبين على استمرار التعاون لتسهيل عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، ضمن خطة لبنانية تقول الحكومة إنها تسعى لأن تكون “واضحة ومنظمة”.
وتعتبر بيروت أن هذا الملف يشكل أولوية داخلية ضاغطة، في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان، وما يرافقها من مطالب سياسية وشعبية بإيجاد حلول عملية ومستدامة لهذا الملف.
كما بحث الجانبان متابعة تنفيذ اتفاق نقل السجناء الموقع في بيروت خلال شباط الماضي، والذي ينص على نقل المحكومين إلى بلدانهم الأصلية لقضاء محكومياتهم، وهو الاتفاق الذي شمل أكثر من 300 سجين ومحكوم سوري داخل السجون اللبنانية.
ويُنظر إلى الاتفاق باعتباره إحدى الخطوات العملية التي عكست وجود إرادة سياسية جديدة لدى الطرفين لإعادة تنظيم العلاقات الثنائية على أسس مؤسساتية وقانونية أكثر وضوحاً.
تعاون اقتصادي ومحاولات لإنعاش العلاقات
اقتصادياً، أعلن سلام الاتفاق مع الجانب السوري على إطلاق مجلس الأعمال اللبناني – السوري، على أن يعقد اجتماعه الأول قريباً، في خطوة تهدف إلى تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
وتسعى الحكومتان إلى إعادة تفعيل التعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات النقل والتجارة والطاقة والاستثمار، في ظل إدراك متبادل لحجم الترابط الجغرافي والاقتصادي بين البلدين.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن بيروت باتت تتعامل مع سوريا باعتبارها عمقاً اقتصادياً وطريقاً برياً أساسياً للبنان نحو العالم العربي، الأمر الذي يفسر الحرص المتزايد على تطوير قنوات التواصل والتنسيق بين الجانبين.
كما شددت الحكومة اللبنانية خلال المباحثات على أهمية مراجعة الاتفاقيات الثنائية القائمة بما يحقق مصالح البلدين ويواكب التحولات السياسية الجديدة في المنطقة.
قراءة سياسية: مرحلة جديدة في العلاقات
الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش اعتبر أن الزيارة تمثل “محطة مهمة” في تطوير العلاقات اللبنانية – السورية، لافتاً إلى أن البلدين دخلا بالفعل “حقبة جديدة” تختلف عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في عهد النظام السوري السابق.
وأوضح علوش في حديث لمنصة سوريا 24، أن المقاربة السورية الحالية تجاه لبنان تقوم على التنسيق الإقليمي، والمعالجة الصريحة للقضايا الخلافية، إضافة إلى دعم الدولة اللبنانية في ملفات حساسة، بينها حصر السلاح بيد الدولة.
وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين ما تزال دون المستوى المطلوب رغم الخطوات الإيجابية التي اتخذها الطرفان خلال الأشهر الماضية، معتبراً أن هناك حاجة إلى تطوير التفاهمات الحالية لتصبح أكثر انسجاماً مع التحولات السياسية القائمة في دمشق وبيروت.
بدوره، رأى الصحفي والباحث السياسي صهيب جوهر، أن توقيت الزيارة يحمل دلالات مهمة، خصوصاً مع استمرار التصعيد الإسرائيلي جنوب لبنان والتحديات المرتبطة بالسيادة والأمن.
وأكد جوهر في حديث لمنصة سوريا 24، أن المرحلة الحالية تفرض مستوى أعلى من التنسيق اللبناني – السوري، سواء في ملفات أمن الحدود ومنع الفوضى والتهريب، أو في ربط المسارات التفاوضية للبلدين في مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة.
وأضاف أن إعادة بناء العلاقة مع دمشق باتت بالنسبة للبنان مسألة واقعية تتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية، نظراً إلى أهمية سوريا كبوابة برية وحيوية اقتصادية للبنان، ما يدفع الطرفين إلى محاولة فتح صفحة جديدة قائمة على المصالح المشتركة والتنسيق المباشر.
وفي ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلدين، تبدو زيارة نواف سلام إلى دمشق مؤشراً على انتقال العلاقات السورية ـ اللبنانية إلى مرحلة أكثر براغماتية تقوم على التنسيق المباشر والمصالح المشتركة، وسط رهانات على أن تترجم التفاهمات السياسية الأخيرة إلى خطوات عملية تعالج الملفات العالقة وتؤسس لعلاقة أكثر استقراراً بين الجانبين.