في المناطق الحدودية الممتدة بين سوريا ولبنان، حيث تبدّلت خرائط النفوذ بعد سقوط النظام السوري السابق، تتحدث مصادر خاصة لـ”سوريا 24″ عن تحركات يقودها حزب الله لإعادة تفعيل شبكات قديمة داخل سوريا، عبر التواصل مع قادة وعناصر سبق أن عملوا معه خلال السنوات الماضية.
وبحسب المصادر، يسعى الحزب إلى إعادة تجنيد هؤلاء ضمن مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على تشغيل عناصر من داخل الأراضي السورية ضمن شبكات محلية، والثاني يتضمن نقل بعضهم إلى لبنان لإعادة التدريب وإلحاقهم بهياكل تنظيمية جديدة.
وتشير المعلومات إلى أن الحزب عرض على العناصر الذين سيواصلون نشاطهم داخل سوريا رواتب شهرية تتراوح بين 100 و150 دولارًا، فيما تصل العروض المقدمة للعناصر الذين سيُنقلون إلى لبنان إلى نحو 450 دولارًا شهريًا، ضمن ترتيبات تشمل التدريب وإعادة الهيكلة وتوزيع مهام تشغيلية جديدة.
غير أن هذه التحركات، وفق مصادر مطلعة، لا ترتبط فقط بالجانب الأمني أو المالي، بل تعكس أيضًا محاولة لإعادة ترميم شبكة نفوذ محلية مرتبطة بإيران داخل سوريا، عبر تشكيل بيئات اجتماعية تحمل خطاب “المقاومة”، بما يسمح للحزب بالحفاظ على حضور غير مباشر داخل مناطق حدودية وحساسة.
ويقول الخبير العسكري والأمني عمار ابو حمزة لموقع سوريا 24 إن التحركات الأخيرة للحزب ترتبط بشكل مباشر بخسارته جزءًا كبيرًا من خطوط الإمداد التقليدية التي اعتمد عليها لسنوات، سواء على المستوى العسكري أو المالي، بعد التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الأخيرة.
ويضيف عمار ابو حمزة أن الحزب “بات يواجه ضغوطًا متزايدة داخل لبنان وعلى المستوى الإقليمي”، معتبرًا أن إعادة تجنيد عناصر سابقة أو محاولة إعادة بناء شبكات محلية داخل سوريا تعكس “مرحلة إعادة تموضع اضطرارية” أكثر من كونها توسعًا جديدًا.
ويرى أن الحزب يسعى، في ظل تراجع قدرته على الحركة التقليدية، إلى اعتماد أنماط عمل أقل ظهورًا وأكثر اعتمادًا على الشبكات المحلية، موضحًا أن الجماعات المسلحة “تلجأ عادة إلى تغيير أساليبها وأدواتها عندما تتعرض لخسائر أو تضييق سياسي وأمني”.
وخلال السنوات الماضية، شكّلت سوريا ممرًا استراتيجيًا رئيسيًا للحزب بين إيران ولبنان، سواء لجهة نقل السلاح أو تحريك العناصر والدعم اللوجستي.
إلا أن التحولات الأخيرة في سوريا، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود وتراجع نفوذ المجموعات الحليفة لإيران في بعض المناطق، أدت إلى إضعاف جزء من هذه الشبكات التقليدية.
ويأتي ذلك في وقت تكثف فيه السلطات السورية عملياتها الأمنية ضد خلايا تقول إنها مرتبطة بـحزب الله، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية، خلال الأيام الماضية، تنفيذ عمليات أمنية متزامنة في عدة محافظات، قالت إنها أسفرت عن تفكيك خلايا وإحباط “مخطط تخريبي” استهدف شخصيات ومؤسسات رسمية، فيما نفى الحزب، وفق وسائل إعلام لبنانية، أي صلة له بهذه المجموعات.
وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في مقابلة مع قناة العربية الحدث، إن دمشق تنظر إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية بوصفها “شريكًا حقيقيًا” في ضبط الحدود السورية – اللبنانية، مشيرًا إلى وجود تنسيق أمني وتبادل للمعلومات لمعالجة ملفات التهريب والسلاح والجماعات المسلحة العابرة للحدود.
واتهم البابا حزب الله بتوفير غطاء لعناصر مطلوبة ومتورطة في انتهاكات خلال عهد النظام السابق، قال إنها لجأت إلى لبنان، محذرًا من إمكانية استخدام هذه الشبكات لاحقًا في زعزعة الاستقرار الداخلي.
من جهته، يرى عمار ابو حمزة أن العلاقة بين دمشق والحزب دخلت “مرحلة مختلفة بالكامل”، معتبرًا أن الحكومة السورية تتجه إلى فرض سيطرة أكبر على الحدود ومنع أي نشاط عابر للدولة، خصوصًا في ما يتعلق بالسلاح والتهريب.
ويضيف أن أي تعامل مستقبلي مع الحزب “سيبقى محصورًا في الأبعاد الأمنية والقضائية”، لا سيما في ظل مطالبات بملاحقة عناصر متهمة بالتورط في انتهاكات خلال سنوات الحرب.
وبينما تبدو الحدود السورية – اللبنانية أمام مرحلة إعادة تشكيل أمنية وسياسية، تعكس هذه التحركات، بحسب مراقبين، حجم التحولات التي أصابت شبكة النفوذ الإقليمية المرتبطة بإيران بعد تغير المشهد السوري، ومحاولات القوى الحليفة لها التكيف مع واقع جديد لم تعد فيه الجغرافيا السورية مفتوحة كما كانت خلال السنوات الماضية.