درعا. بين الانتظار والرسوم المرتفعة.. خريجو الحقوق خارج النقابة

حجم الخط

في مدينة درعا، لا يبدو الانتقال من مقاعد الدراسة الجامعية إلى مهنة المحاماة مسارًا طبيعيًا بالنسبة لعشرات خريجي الحقوق. فمع استمرار إغلاق باب الانتساب إلى نقابة المحامين لفترات طويلة، وغياب الوضوح بشأن الشروط الجديدة والرسوم وآلية الامتحانات، يجد كثير من الخريجين أنفسهم في حالة انتظار مفتوحة، وسط شعور متزايد بالإحباط والقلق على مستقبلهم المهني.

بالنسبة للخريجة أمينة الجهماني، تحوّل التخرج إلى مرحلة معلّقة لا تشبه التوقعات التي حملتها بعد إنهاء دراسة الحقوق. تقول إن فتح باب الانتساب وإغلاقه بصورة متقطعة “يتحكم بمصير الطلاب”، موضحة أنها تخرجت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، لكنها لم تتمكن حتى الآن من الانتساب إلى النقابة أو بدء حياتها المهنية بصورة فعلية.

وتضيف: “مرّت أشهر كاملة دون أن ننجز شيئًا أو نكتسب خبرة عملية. كنا نتوقع أن نبدأ التدريب والعمل فور التخرج، لكننا بقينا في حالة انتظار مستمرة”.

رسوم مرتفعة وغموض في الشروط

لا تقتصر مخاوف الخريجين على تأخر فتح باب الانتساب، بل تمتد إلى الضبابية المحيطة بالشروط الجديدة والرسوم. وتشير الجهماني إلى أن الأحاديث المتداولة بين الطلاب تتحدث عن احتمال وصول رسوم الانتساب إلى نحو 600 دولار، عدا عن تكاليف تجهيز الأوراق والإجراءات الأخرى.

وتقول إن هذه الرسوم، في حال اعتمادها، ستكون “مرهقة وتعجيزية” بالنسبة لغالبية الخريجين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

وتتابع: “كلما سألنا عن موعد فتح باب الانتساب لا نحصل على إجابات واضحة، والرد الدائم هو الانتظار، فيما تمضي الأشهر دون أي خطوات عملية”.

كما ترى الجهماني أن النقابة لم تقدم ردًا واضحًا على مطالب الخريجين المتعلقة بإلغاء امتحان الانتساب أو تخفيف شروطه، مضيفة أن الجمع بين الامتحان والرسوم المرتفعة يجعل الانتساب “قريبًا من الاستحالة” بالنسبة لكثير من الشباب.

التدريب دون صفة قانونية

توضح الجهماني أن التأخير الطويل لم يؤثر فقط على المسار المهني للخريجين، بل انعكس أيضًا على حالتهم النفسية، إذ بقي كثير منهم لأشهر في منازلهم بانتظار أي قرار يسمح لهم بالبدء.

وتشير إلى أنها بدأت مؤخرًا تدريبًا لدى أحد المحامين كمرحلة تمهيدية ريثما يُفتح باب الانتساب، إلا أن المتدرب غير المنتسب لا يستطيع ممارسة العمل بصورة فعلية أو إنجاز المعاملات القانونية لعدم امتلاكه الصفة الرسمية للمحامي.

هذا الواقع يدفع كثيرًا من الخريجين إلى البحث عن أعمال مؤقتة أو مجالات أخرى، بانتظار تسوية أوضاعهم النقابية.

اعتراضات على الامتحان الجديد

في السياق ذاته، تقول الخريجة إسراء كيوان إن إعادة فتح باب الانتساب تُعد خطوة إيجابية بحد ذاتها، لأن “الكثير من الخريجين كانوا ينتظرون هذه الفرصة”، لكنها تؤكد أن الشروط الجديدة أثارت جدلًا واسعًا بين الطلاب والخريجين الجدد.

وتضيف أن عددًا كبيرًا من الخريجين أبدوا اعتراضهم على شروط الانتساب والامتحان، مطالبين بإعادة النظر ببعض القرارات، “لكن دون استجابة واضحة حتى الآن”، بحسب تعبيرها.

وبخصوص موقف النقابة من مطالب إلغاء الامتحان، توضح كيوان أن النقابة “ما تزال متمسكة بفكرة الامتحان باعتباره وسيلة لتنظيم المهنة ورفع المستوى المهني”، دون وجود مؤشرات واضحة على التراجع عنه بشكل كامل.

وتؤكد أن هذه القرارات أثّرت مباشرة على مستقبل الخريجين، باعتبار أن الانتساب مرتبط بممارسة المهنة وفرص العمل، مضيفة: “حاليًا نحاول العمل أو التدريب في أي مجال متاح إلى حين حل الوضع النقابي والقدرة على ممارسة المهنة بشكل رسمي”.

“كأننا نعود للدراسة من البداية”

هذا الشعور بالاستنزاف يتكرر أيضًا في شهادة عبد المنعم المصري، الذي يرى أن الشروط الجديدة “تعيد الطالب إلى نقطة الصفر” بعد سنوات طويلة من الدراسة الجامعية.

ويقول المصري: “درست أربع سنوات وأكثر من 52 مقررًا، وفي النهاية يُطلب مني التقدّم لامتحان كتابي وشفهي جديد. أشعر وكأنني أعود إلى الدراسة من البداية”.

ويحمّل المصري النقابة جزءًا من المسؤولية، معتبرًا أنها لم تبادر إلى مناقشة القرار أو محاولة تخفيفه على الخريجين، مضيفًا أنه راجع النقابة بشأن إمكانية رفع اعتراض على القرار، إلا أن الرد الذي تلقاه كان: “راجع غيرنا أو اذهب إلى دمشق وقدّم اعتراضك هناك”.

لكن اعتراضه لا يرتبط بفكرة الامتحان وحدها، بل أيضًا بالواقع الاقتصادي الذي يجعل من التدريب القانوني مسارًا بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من الشباب. فالمحاماة، كما يقول، تحتاج إلى تفرغ كامل وجهد طويل قبل تحقيق أي دخل ثابت، وهو ما لا يتناسب مع الظروف المعيشية الحالية.

ويضيف: “مضى عام كامل على تخرجي دون أن أنتسب إلى النقابة بسبب هذه القرارات، وحاليًا أعمل في مؤسسة سياحية لأن الظروف المعيشية لا تسمح بالتفرغ الكامل للمحاماة”.

النقابة: الامتحان ضرورة لتنظيم المهنة

في المقابل، تدافع نقابة المحامين في درعا عن الإجراءات الجديدة، معتبرة أنها تأتي في إطار تنظيم المهنة والحفاظ على معاييرها الأخلاقية والمهنية.

ويقول نقيب المحامين في درعا، فضل الشوامرة، إن المطالب بإلغاء امتحان الانتساب “ليست واسعة”، موضحًا أن موقف النقابة يقوم على الإبقاء على الامتحان، على أن يُجرى ضمن كل فرع نقابي على حدة.

ويشير الشوامرة إلى أن عدد أعضاء الهيئة العامة لفرع النقابة في درعا يبلغ 1245 عضوًا بين محامٍ أستاذ ومتدرب، مؤكدًا أن النقابة تسعى إلى “زيادة عدد المحامين، لكن وفق معايير دقيقة تتعلق بالسلوك والسمعة والنزاهة”.

ويضيف: “المحاماة ليست مجرد مهنة، بل رسالة لتحقيق العدالة، ولذلك لا بد من التدقيق في أهلية المنتسبين”.

كما يؤكد أن النقابة تعمل، ضمن الإمكانات المتاحة، على تحسين الرواتب التقاعدية وتأمين الضمان الصحي للمحامين، إضافة إلى البحث عن مشاريع استثمارية لزيادة مواردها المالية.

جيل ينتظر الدخول إلى المهنة

لكن بالنسبة لكثير من الخريجين، تبدو هذه التبريرات بعيدة عن واقعهم اليومي، فبين الانتظار الطويل، والرسوم المرتفعة، والغموض الإداري، يتحول الانتساب إلى النقابة من خطوة طبيعية بعد التخرج إلى مسار معقد يستنزف الوقت والقدرة المادية والنفسية.

وفي بلد يعيش أصلًا أزمة اقتصادية خانقة وتراجعًا حادًا في فرص العمل، لا تبدو أزمة خريجي الحقوق مجرد خلاف نقابي حول امتحان أو رسوم، بل صورة أوسع لجيل كامل يحاول العبور من الدراسة إلى الحياة المهنية، فيما تبقى الأبواب مواربة، تُفتح ببطء وتُغلق سريعًا.