بين التراجع والتهديد: قراءة أميركية جديدة لخطر “التنظيم” في سوريا

حجم الخط

جددت الولايات المتحدة تأكيدها أن سوريا ما تزال تمثل الساحة الأهم في الحرب ضد تنظيم “داعش”، في مؤشر يعكس استمرار القلق الأميركي من قدرة التنظيم على استعادة نشاطه رغم التراجع الملحوظ في مستوى هجماته خلال السنوات الأخيرة.

وجاءت تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، براد كوبر، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، لتسلط الضوء على رؤية واشنطن الجديدة لمرحلة “ما بعد الأسد”، وعلى موقع سوريا في معادلة الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

كوبر أكد خلال الإفادة أن “القضاء المستدام” على تنظيم “داعش” لا يزال يمثل “مصلحة وطنية أساسية” للولايات المتحدة، معتبراً أن سوريا تشكل “نقطة الارتكاز” في هذه المعركة، في وقت لا تزال فيه الحكومة السورية الجديدة تعمل على تثبيت سيطرتها الأمنية والعسكرية في مناطق مختلفة من البلاد.

دمشق بوصفها مركز الثقل الأمني

التصريحات الأميركية حملت دلالات تتجاوز مجرد التحذير الأمني، إذ تعكس تحولاً في طريقة مقاربة واشنطن للملف السوري، خاصة بعد التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.

وفي هذا السياق، قال المختص بالجماعات الإسلامية عبد الله الحمد، في حديث لمنصة سوريا 24، إن واشنطن تنظر اليوم إلى دمشق باعتبارها “مركز الثقل” لمنع عودة تنظيم “داعش”، مشيراً إلى أن أي فراغ أمني أو حالة عدم استقرار داخل سوريا ستمنح التنظيم فرصة لإعادة تجميع صفوفه وتنفيذ هجمات جديدة.

وأوضح أن الولايات المتحدة تدرك أن التنظيم لا يزال يحتفظ بعناصر تمتلك خبرات قتالية عالية، وأن بعض هذه العناصر ما زالت قادرة على التحرك داخل مناطق تعاني ضعفاً في السيطرة الأمنية، الأمر الذي يدفع واشنطن إلى مواصلة الضغط العسكري والأمني بالتنسيق مع القوات السورية.

وأضاف أن الإدارة الأميركية ترى أن استقرار سوريا يرتبط بشكل مباشر بالأمن الإقليمي، وأن حماية هذا الاستقرار تمثل جزءاً من حماية الأمن القومي الأميركي نفسه، خاصة مع استمرار العمليات المشتركة التي تستهدف خلايا التنظيم وتحركاته.

هجمات أقل.. لكن الخطر لم ينتهِ

ورغم تراجع العمليات الكبرى التي كان ينفذها “داعش” مقارنة بسنوات سابقة، فإن واشنطن لا تبدو مقتنعة بأن التنظيم فقد قدرته على إعادة التشكل.

كوبر أشار في إفادته إلى أن عدداً من المقاتلين ذوي الخبرة لا يزالون طلقاء، محذراً من أن التنظيم “ينتظر استغلال أي ثغرات” قد تنشأ نتيجة انشغال الأطراف المحلية أو حدوث اضطرابات أمنية داخل سوريا.

ويبدو أن هذا التقييم يستند إلى قناعة أميركية بأن التنظيم لم يهزم نهائياً، بل انتقل إلى مرحلة “الخلايا النائمة” وإعادة التموضع، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية المعقدة لبعض المناطق السورية، ومن هشاشة الواقع الأمني في أجزاء من البادية والمناطق الحدودية.

الكاتب والمحلل السياسي عبد الرحيم خليفة، رأى أن الولايات المتحدة تدرك أن خطر “داعش” لم ينته بشكل كامل، وأن التنظيم ما يزال يمتلك قدرة على إعادة إنتاج نفسه وتجديد بنيته التنظيمية.

وأشار في حديث لمنصة سوريا 24، إلى أن عمليات الرصد والمتابعة الاستخبارية المستمرة تؤكد وجود خلايا قابلة للتحرك عند توفر الظروف المناسبة، مضيفاً أن بعض الأطراف الإقليمية قد تسعى إلى إعادة تنشيط التنظيم لتحقيق أهداف سياسية وأمنية تتعلق بالتأثير على المشهد السوري وعرقلة جهود الاستقرار وإعادة الإعمار.

وأكد خليفة أن قدرة “داعش” على التكيف مع المتغيرات جعلت خطره قائماً، ولو بدرجات متفاوتة، ما يفسر استمرار الحذر الأميركي والتأكيد المتكرر على ضرورة منع أي فراغ أمني داخل سوريا.

مرحلة “ما بعد الأسد” والحسابات الأميركية

تصريحات قائد “سنتكوم” عكست أيضاً توجهاً أميركياً نحو الانخراط “البراغماتي” مع الحكومة السورية الجديدة، ضمن مقاربة تركز على منع عودة الفوضى والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني.

كوبر تحدث عن استمرار التواصل مع دمشق بهدف الدفع نحو “تسوية كريمة” ومرحلة جديدة وسلمية لسوريا، معتبراً أن أي نتائج إيجابية في هذا المسار ستؤدي إلى تقليل المخاطر على الأمن الأميركي على المدى الطويل.

كما ذكر أن القيادة المركزية الأميركية تعمل، بالتعاون مع شركاء إقليميين وجهات متعددة، على دعم بناء قدرات أمنية سورية “بشكل مسؤول”، بما يسمح بمواصلة الضغط على التنظيم ومنع إعادة تشكله.

ويشير هذا الخطاب إلى أن واشنطن باتت ترى في استقرار المؤسسات الأمنية السورية جزءاً من استراتيجية مكافحة الإرهاب، خصوصاً بعد المتغيرات التي شهدتها المنطقة، بدءاً من الحرب في غزة ولبنان، وصولاً إلى التحولات السياسية داخل سوريا.

رسائل إقليمية وتفاهمات أمنية

ووسط كل ذلك، فإن تصريحات كوبر لا تستهدف الداخل الأميركي فقط، بل تحمل رسائل إقليمية واضحة بشأن طبيعة العلاقة الحالية بين دمشق وواشنطن في ملف مكافحة الإرهاب.

فبحسب عبد الرحيم خليفة، فإن التصريحات تعكس مستوى متقدماً من التفاهم الأمني والسياسي بين الجانبين، وتشير إلى تنامي الثقة الأميركية بالقدرات السورية في إدارة هذا الملف، رغم الانسحاب الأميركي الكامل من الأراضي السورية قبل أسابيع.

وأضاف أن واشنطن تحاول من خلال هذه الرسائل التأكيد أن التنسيق في مكافحة “داعش” ما يزال قائماً، وأن أمن سوريا بات جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي الأوسع.

كما تعكس هذه التصريحات، وفقه، قلقاً أميركياً من أن تؤدي أي انتكاسة أمنية أو صراع داخلي جديد إلى فتح المجال أمام التنظيم لإعادة التموضع، خاصة أن “داعش” اعتاد تاريخياً الاستفادة من الفوضى والانقسامات لإعادة بناء شبكاته.

تحالف مستمر ضد التنظيم
وفي مؤشر على استمرار هذا التوجه، أكد كوبر أن سوريا انضمت رسمياً إلى التحالف الدولي ضد “داعش” في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن استمرار الدعم الخارجي المحدود لا يزال ضرورياً لمنع عودة التنظيم.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الولايات المتحدة، رغم تقليص وجودها العسكري المباشر، لا تزال تعتبر أن ملف “داعش” لم يُغلق بعد، وأن سوريا ستبقى خلال المرحلة المقبلة محوراً أساسياً في الاستراتيجية الأميركية الخاصة بمكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار الإقليمي.