تتجه الأنظار إلى المشاركة السورية المرتقبة في قمة مجموعة السبع المقررة في فرنسا الشهر المقبل، في خطوة تحمل أبعادا سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي، مع مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع بصفة ضيف، في أول حضور سوري لاجتماعات المجموعة منذ تأسيسها عام 1975.
وتم تسليم الدعوة بشكل مباشر إلى وزير المالية السوري محمد يسر برنية خلال مشاركته في الاجتماعات المالية للمجموعة التي انعقدت في باريس الأسبوع الماضي، على أن تعقد القمة بين 15 و17 حزيران في مدينة إيفيان-لي-بان جنوب شرقي فرنسا.
وتأتي هذه المشاركة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالمواجهة الإيرانية الأميركية، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة والشحن عبر مضيق هرمز، الأمر الذي دفع عددا من القوى الدولية إلى إعادة النظر في خرائط النقل والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
من “دولة أزمة” إلى “دولة فرص”
وتعكس مشاركة دمشق في قمة تضم القوى الاقتصادية الكبرى في العالم تحولا تدريجيا في طريقة التعاطي الدولي مع الملف السوري، وانتقال الاهتمام من المقاربة الأمنية والعسكرية إلى مقاربة ترتبط بالاقتصاد والاستقرار وإعادة التموضع الجيوسياسي.
وقال خالد الحمدي، الخبير في التخطيط الاقتصادي، في حديث لمنصة سوريا 24، إن سوريا “أصبحت الصندوق الأسود لكافة القوى السياسية والاقتصادية”، معتبرا أن مشاركة الشرع تمثل “نقطة انعطاف مهمة في مسار التفوق السياسي السوري والدبلوماسي واندماجها بالعالم المتطور”.
وأضاف الحمدي أن أهمية المشاركة تكمن في منح دمشق فرصة لطرح رؤيتها بشأن إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وإعادة دمج الاقتصاد السوري ضمن المنظومة المالية الدولية، ولا سيما في ظل التحولات الإقليمية والانفتاح العربي المتزايد تجاه سوريا.
وأشار إلى أن القمة تمثل مساحة لفتح قنوات حوار مباشرة مع الدول المؤثرة حول ملفات العقوبات والطاقة والأمن الغذائي والتنمية، موضحا أن سوريا تحاول إعادة تموضعها دوليا عبر خطاب اقتصادي براغماتي يقوم على المصالح والتعاون.
وختم الحمدي بالقول إن سوريا “تحولت من دولة أزمة ونزاع إلى دولة فرص وتموضع جيوسياسي”، في إشارة إلى محاولات دمشق استثمار المتغيرات الدولية والإقليمية لإعادة تثبيت موقعها في المشهدين الاقتصادي والسياسي.
سوريا وسلاسل الإمداد العالمية
وبحسب مصادر سورية، فإن الوفد السوري يعتزم التركيز خلال مشاركته في القمة على طرح سوريا الجديدة بوصفها “مركزا استراتيجيا لسلاسل الإمداد”، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا والمنطقة العربية.
ويأتي ذلك في ظل التحولات التي فرضتها اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، والتي أثرت بشكل واضح على حركة التجارة العالمية، ودفعت العديد من الدول والشركات إلى البحث عن مسارات بديلة للنقل والطاقة والتوريد.
وتسعى سوريا إلى تسويق موقعها الجيوسياسي باعتباره جزءا من الحلول المستقبلية المرتبطة بخطوط النقل الإقليمي ومشاريع الربط والطاقة، خاصة مع الحديث المتزايد عن إعادة تشكيل خرائط التجارة في الشرق الأوسط بعد التطورات العسكرية الأخيرة.
كما تحاول دمشق، وفق هذه الرؤية، استثمار أي انفتاح دولي محتمل لدعم جهود إعادة بناء الاقتصاد السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والعزلة الاقتصادية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بضعف البنية التحتية وصعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي.
انفتاح أوروبي ورسائل سياسية
من جهته، اعتبر الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت أن الدعوة الموجهة إلى الرئيس السوري تمثل “خطوة دبلوماسية مهمة لسوريا في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة”.
وأوضح أبو نبوت، في حديث لمنصة سوريا 24، أن تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات توسع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يرفعان من أهمية الموقع الجيوسياسي السوري، خصوصا في ملفات أمن الطاقة والنقل الإقليمي ومشاريع الربط التجاري.
وأشار إلى أن الدعوة تعكس مستوى متقدما من الانفتاح الدولي على دمشق، وتؤكد أن أوروبا باتت تنظر إلى التعاون مع سوريا باعتباره جزءا من مقاربات الاستقرار الإقليمي، في ظل امتلاك الحكومة السورية ملفات وأوراقا تجعل الحوار معها ضرورة متزايدة بالنسبة للعديد من الأطراف الدولية.
ويحمل حضور الشرع في قمة بهذا الحجم أيضا رسائل سياسية تتعلق بإعادة إدماج سوريا تدريجيا في المحافل الدولية، بعد سنوات من التجميد والعزلة، خاصة أن مجموعة السبع تعد إحدى أبرز المنصات السياسية والاقتصادية المؤثرة في العالم.
كما قد تتيح المشاركة السورية فرصة لعقد لقاءات جانبية مع مسؤولين غربيين ودوليين لبحث ملفات تتعلق بالعقوبات وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، إضافة إلى قضايا الطاقة واللاجئين والأمن الإقليمي.
رهانات اقتصادية ومعيشية
ورغم الأهمية السياسية والدبلوماسية للمشاركة السورية، فإن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة هذا الانفتاح على تحقيق نتائج ملموسة على المستوى الاقتصادي والمعيشي داخل البلاد.
وفي هذا السياق، أكد أبو نبوت أن المواطن السوري “يتطلع إلى ما هو أبعد من الرمزية الدبلوماسية”، مشيرا إلى أن الأشهر الماضية شهدت سلسلة من اللقاءات والانفتاحات السياسية، لكن المطلوب اليوم هو ترجمة هذا التحسن في العلاقات إلى خطوات عملية.
وأوضح أن هذه الخطوات يجب أن تشمل توسيع الدعم الاقتصادي، والمساهمة بشكل أكبر في جهود إعادة الإعمار، والتعامل الجاد مع ملف اللاجئين عبر خطط منظمة تضمن عودة آمنة وكريمة ومستدامة.
كما شدد على أهمية دعم مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، معتبرا أن هذه الملفات تحتاج إلى إسناد دولي حقيقي بالتوازي مع أي انفتاح سياسي أو اقتصادي.
اختبار لمرحلة جديدة
وتمثل مشاركة سوريا في قمة مجموعة السبع اختبارا لمرحلة جديدة من العلاقات بين دمشق والعواصم الغربية، في ظل متغيرات إقليمية متسارعة تدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية.
وبينما تنظر دمشق إلى هذه المشاركة باعتبارها فرصة لإعادة التموضع وكسر العزلة الدولية، تبدو الدول الغربية مهتمة بدراسة الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في ملفات الاستقرار الإقليمي والطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي حال نجحت هذه المشاركة في فتح مسارات تعاون أوسع، فقد تشكل بداية لتحول تدريجي في العلاقة بين سوريا والغرب، يقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة، بعد سنوات طويلة من القطيعة والتوتر السياسي.
لكن، في المقابل، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطا بقدرة الانفتاح الدبلوماسي على التحول إلى مشاريع اقتصادية وتنموية حقيقية تنعكس على حياة السوريين، في بلد ما يزال يواجه تحديات معيشية واقتصادية عميقة بعد أكثر من عقد من الحرب.