في أسواق المواشي الممتدة بين أحياء مدينة حلب وريفها الغربي، لا يشبه موسم الأضحى هذا العام ما اعتاده السكان في سنوات سابقة.
الحركة التي كانت تبلغ ذروتها قبل العيد بأيام تبدو أكثر هدوءاً، فيما يقف مربو المواشي والدلالون أمام حظائرهم مترقبين زبائن قل عددهم، في مدينة أثقلت الأزمات الاقتصادية كاهل سكانها ودفعت القدرة الشرائية إلى مستويات متراجعة.
في سوق السلوم بمنطقة عنجارة، غرب حلب، تبدو المفارقة واضحة بين وفرة المعروض وضعف الطلب.
يقول أحمد كامل عبد الهادي، أحد مربي الأغنام في السوق، إن أسعار الأضاحي تجاوزت قدرة شريحة واسعة من الأهالي، موضحاً أن «أبسط أضحية اليوم يتراوح سعرها بين 350 و400 دولار، بينما لا تتجاوز أجور كثير من العمال اليومية 20 أو 25 دولاراً، ما يجعل شراء الأضحية أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من العائلات».
ورغم أن الموسم الزراعي كان «مقبولاً نسبياً» هذا العام، بحسب عبد الهادي، فإن ذلك لم ينعكس على حركة السوق التي ما تزال تعاني من الركود، وسط تراجع ملحوظ في أعداد المشترين مقارنة بالأعوام الماضية.
المشهد ذاته يصفه دلال المواشي أحمد سليمان، المعروف بـ«أبو حيدر»، الذي يؤكد أن سوق الأضاحي يشهد هذا العام انخفاضاً واضحاً في الحجوزات والطلبات.
ويقول إن أسعار الأغنام ارتفعت بصورة كبيرة خلال عام واحد فقط، مضيفاً: «الخروف الذي كان يباع العام الماضي بنحو 400 دولار، أصبح اليوم يصل إلى 700 دولار، ما أدى إلى انخفاض كبير في الطلب».
ويشير سليمان إلى أن هذه الفترة من كل عام كانت تشهد ازدحاماً ملحوظاً وحجوزات مسبقة للأضاحي، إلا أن الحركة الحالية تبدو «محدودة وبطيئة»، رغم اقتراب حلول العيد.
وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، تحاول السلطات المحلية احتواء الفوضى التي ترافق عادة عمليات الذبح داخل الأحياء السكنية، وهي ظاهرة تتكرر سنوياً وتثير استياء السكان بسبب تراكم المخلفات والروائح وانتشار مرابط الأغنام داخل الأزقة الضيقة.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس مجلس مدينة حلب، طلال الجابري، أن المجلس أقر خلال اجتماعه الأخير سلسلة تعليمات خاصة بتنظيم عمليات ذبح الأضاحي، بالتعاون مع الجمعيات الحرفية والمهنية المعنية بمهنة القصابة.
وأوضح الجابري أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى «الحد من الذبح العشوائي داخل الأحياء السكنية، وتنظيم المهنة بما يراعي شروط السلامة والصحة العامة»، مشيراً إلى اعتماد المسالخ الرسمية، وعلى رأسها مسلخ الراموسة، إضافة إلى تخصيص مواقع محددة ضمن أحياء المدينة تستخدم مرابط للمواشي بعيداً عن التجمعات السكنية.
كما تشمل التعليمات تنظيم عمليات الذبح داخل المحال، ووضع آلية خاصة لمعالجة مخلفات الذبح ومنع رميها في الطرقات أو الحاويات العامة، مع تخصيص سيارات لنقل هذه المخلفات بشكل منظم خلال أيام العيد.
وأضاف الجابري أن المجلس منح تراخيص رسمية لبعض القصابين المعتمدين للقيام بعمليات الذبح وفق الضوابط المحددة، محذراً من اتخاذ إجراءات بحق المخالفين تشمل غرامات مالية وإغلاق بعض المحال بالشمع الأحمر في حال عدم الالتزام بالتعليمات.
لكن هذه الإجراءات لا تبدو كافية بالنسبة لبعض السكان الذين يشكون من تكرار المشهد ذاته كل عام. ففي حي الخالدية، يقول سعيد عثمان إن بعض القصابين ما زالوا يقيمون مرابط للأغنام داخل الحارات السكنية، ما يؤدي إلى تفاقم مشكلات النظافة.
ويضيف: «الحارة تعاني أساساً من ضعف الخدمات، ومع حلول العيد تزداد المعاناة بسبب مخلفات الذبح والروائح التي تبقى لأيام، خصوصاً في الأماكن التي يلعب فيها الأطفال».
ويطالب عثمان الجهات المعنية بتطبيق التعليمات المعلنة بصورة أكثر صرامة، لمنع تحويل الأزقة السكنية إلى مساحات مؤقتة لتربية المواشي وذبحها خلال أيام العيد.
وبين ارتفاع أسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية، ومحاولات السلطات المحلية فرض ضوابط تحد من الفوضى البيئية والصحية، تبدو أسواق الأضحى في حلب هذا العام انعكاساً مباشراً للتحولات الاقتصادية والخدمية التي تعيشها المدينة. فالمناسبة التي ارتبطت لعقود بطقوس اجتماعية ودينية جامعة، باتت اليوم محكومة بحسابات الكلفة والقدرة، فيما تواجه الجهات المحلية اختباراً متجدداً في إدارة التوازن بين متطلبات السكان والحفاظ على النظام العام داخل مدينة ما تزال تتعافى ببطء من آثار سنوات الحرب والأزمات المتراكمة.
