لم تعد مدينة عدرا بريف دمشق الشرقي مجرد منطقة صناعية أو عقدة خدمية تربط العاصمة ببادية الشام، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر المناطق السورية معاناة من التلوث البيئي، وسط تصاعد شكاوى السكان من الآثار الصحية والزراعية الناجمة عن تراكم المشاريع الملوِّثة بالقرب من التجمعات السكنية.
غبار الإسمنت، وروائح الصرف الصحي، والمخلفات الصناعية، والحشرات، وصولاً إلى مكب النفايات الجديد الذي بات يستقبل نفايات دمشق وريفها، كلها عوامل يقول الأهالي إنها جعلت المدينة “منطقة منكوبة بيئياً”، في ظل غياب حلول فعلية تحدّ من حجم الضرر المتفاقم.
غبار الإسمنت.. موت بطيء للزراعة
على بعد نحو أربعة كيلومترات من بعض المناطق الزراعية في عدرا، يواصل معمل الإسمنت تأثيره على البيئة المحيطة، وفق شهادات محلية تحدثت لـSY24 عن أضرار واسعة طالت الأراضي الزراعية والأشجار المثمرة.
ويقول أحد السكان إن “أشجار الزيتون تضررت بشكل واضح، والإنتاج تراجع بشكل كبير، بينما تبدو معظم المزروعات مغطاة بطبقة بيضاء من مخلفات المعمل”، مضيفاً أن الضرر لم يعد مقتصراً على الزراعة فقط، بل امتد إلى البيئة المحيطة بشكل عام، خاصة في المناطق القريبة من المعمل.
وبحسب شهادات الأهالي، فإن غبار الإسمنت تسبب خلال السنوات الماضية بتراجع الغطاء النباتي في مناطق واسعة من عدرا، حتى بدت بعض الأراضي وكأنها “مساحات قاحلة”، بعد تضرر بساتين المشمش والزيتون واختفاء أجزاء كبيرة من الأشجار المثمرة.
ولا يتوقف الأمر عند الأثر البيئي، إذ يؤكد سكان أن التلوث الناتج عن المعمل تسبب أيضاً بانتشار أمراض تنفسية مزمنة، خاصة بين الأطفال وكبار السن، فيما تُعد منطقة عدرا العمالية من أكثر المناطق تضرراً.
الصرف الصحي.. صيف من الروائح والحشرات
إلى جانب غبار الإسمنت، تشكل محطة معالجة الصرف الصحي القريبة من المدينة مصدر قلق دائم للسكان، بسبب الروائح المنبعثة منها، لا سيما خلال فصل الصيف.
ويقول سكان إن المحطة تقوم أحياناً بفتح منافذ خاصة لتنفيس غاز الميتان، ما يؤدي إلى انتشار روائح خانقة تصل حتى إلى مخيم الوافدين، وتبقى لساعات طويلة، مسببة حالة من الانزعاج الشديد للأهالي.
وتُعد مناطق عدرا البلد، وعدرا العمالية، والريحان، وعدرا الجديدة، من أكثر المناطق المتضررة من هذه الروائح، إلى جانب انتشار الحشرات بكثافة في محيط المحطة، وسط شكاوى من غياب حملات مكافحة فعالة أو إجراءات صحية دورية للكشف عن الأمراض المرتبطة بالتلوث البيئي.
ويخشى الأهالي من انعكاسات هذه الظروف على صحة الأطفال، خاصة مع تزايد الحديث عن أمراض تنفسية وجلدية مرتبطة بتلوث الهواء والمياه المحيطة.
مكب النفايات.. من مكب لدمشق إلى مكب للغوطة وريفها
لكن المشكلة الأكبر، وفق السكان، تتمثل في مكب النفايات الذي بات يستقبل كميات ضخمة من النفايات القادمة من دمشق ومحيطها، في ظل غياب مكبات موحدة لبقية مناطق الغوطة وريف العاصمة.
أبو حمزة، أحد سكان عدرا، يقول لـSY24 إن “المكب تحوّل عملياً من مكب مخصص لدمشق إلى مركز لاستقبال نفايات دمشق وريفها وأجزاء واسعة من الغوطة”، معتبراً أن العبء البيئي والصحي يقع بالكامل على سكان عدرا والمناطق المجاورة.
ويضيف أن الروائح والتلوث الناتج عن تراكم النفايات ومعالجتها باتت جزءاً من الحياة اليومية للسكان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توسع المكب مستقبلاً وتحوله إلى بؤرة بيئية أكثر خطورة.
ويرى الأهالي أن نقل مكب النفايات إلى أطراف عدرا جاء ليضيف أزمة جديدة إلى سلسلة الأعباء البيئية التي تعيشها المنطقة أساساً، بدلاً من البحث عن حلول تقلل من حجم التلوث المتراكم منذ سنوات.
“سوء تخطيط” أم تجاهل للمخاطر؟
ويربط سكان وناشطون بيئيون ما تعيشه عدرا اليوم بما يصفونه بـ”السياسات العشوائية” التي اتُّبعت سابقاً في اختيار مواقع المشاريع الصناعية والخدمية.
الإعلامي آدم الشامي يقول إن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود المشاريع بحد ذاتها، وإنما في وضعها بالقرب من التجمعات السكنية، رغم وجود مناطق صحراوية واسعة وغير مأهولة كان يمكن تخصيصها لهذه المنشآت.
ويوضح أن المنطقة تضم عدداً من المشاريع الثقيلة، بينها معمل الإسمنت، ومحطة معالجة الصرف الصحي، إضافة إلى مكب النفايات، ما خلق حالة من “التراكم البيئي” الخطير داخل بقعة جغرافية واحدة.
ويشير الأهالي إلى أن مناطق مثل أبو الشامات والمناطق الممتدة باتجاه البادية تُعد أكثر ملاءمة لإقامة المنشآت الصناعية الثقيلة أو مكبات النفايات، نظراً لبعدها عن الكتل السكانية واتساع مساحاتها، الأمر الذي كان من شأنه الحد من الأضرار الصحية والبيئية على المدنيين.
وبحسب شهادات محلية، فإن نقل هذه المشاريع إلى المناطق الصحراوية كان سيخفف من آثار الانبعاثات الكيميائية والروائح والمخلفات الصناعية، خاصة أن تلك المناطق تبعد بضعة كيلومترات فقط عن عدرا، وتتميز بكثافة سكانية شبه معدومة.
مدينة تدفع ثمن التراكم البيئي
يرى سكان عدرا أن ما يحدث اليوم ليس “صدفة جغرافية”، بل نتيجة سنوات من القرارات التي افتقرت إلى رؤية تنموية وبيئية مستدامة، عبر تجميع المشاريع الملوِّثة ضمن محيط مدينة سكنية وتاريخية.
ويحذر الأهالي من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التدهور البيئي والصحي، فضلاً عن تراجع القيمة العقارية للمنطقة، ودفع المزيد من السكان إلى مغادرتها.
ويطالب السكان بإعادة النظر في موقع مكب النفايات الجديد، وتشديد الرقابة على معامل الإسمنت، وإيجاد حلول جذرية لمحطة الصرف الصحي، إلى جانب نقل المشاريع الملوثة إلى المناطق الصحراوية البعيدة عن التجمعات السكنية.
وتبقى عدرا، التي كانت يوماً محطة تاريخية تربط البادية بالعاصمة دمشق، اليوم مدينة تحاصرها الملوثات من كل اتجاه، بينما ينتظر سكانها استجابة توقف ما يصفونه بـ”الاختناق البيئي” الذي يهدد حاضر المنطقة ومستقبلها.
