في ساحة صغيرة بمدينة تلدو، شمالي حمص، وقف رجل يحيط به أطفاله الخمسة، يحدق في صور الضحايا المعلقة على الجدران. كان أصغر أطفاله رضيعًا لم يتجاوز عمره ستة أشهر حين وقعت مجزرة الحولة في 25 أيار/مايو 2012، المجزرة التي حولت ليل المنطقة إلى واحدة من أكثر الليالي دموية في بدايات النزاع السوري.
بعد أربعة عشر عامًا، لا تزال الذاكرة حاضرة بتفاصيلها الثقيلة. يقف الرجل متأملًا المشهد، وهو أحد الناجين من مجزرة استهدفت عائلة عبد الرزاق، ويقول لموقع سوريا 24 إن عائلته أبيدت بالكامل تقريبًا، ولم ينج سوى هو وزوجته وأطفاله الخمسة.
وبينما كانت الحشود تتوافد إلى فعالية إحياء الذكرى، بدا وكأن المكان يستعيد شيئًا من تلك الليلة؛ صور الأطفال، وأسماء الضحايا، والوجوه التي أنهكتها سنوات الانتظار الطويلة.
في ذلك اليوم من عام 2012، قتل أكثر من مئة مدني في منطقة الحولة، بينهم عشرات الأطفال والنساء، بعدما اقتحمت مجموعات موالية للنظام السابق منازل المدنيين في بلدة تلدو، بالتزامن مع قصف مكثف استمر ساعات طويلة، وفق شهادات ناجين وتقارير حقوقية ودولية.
وقد أثارت المجزرة حينها موجة إدانات واسعة من الأمم المتحدة ودول غربية وعربية، لتتحول إلى إحدى أكثر المحطات رسوخًا في الذاكرة السورية.
الفعالية التي أقيمت هذا العام جاءت بتنظيم من إدارة منطقة الحولة، بالتعاون مع فعاليات أهلية وثقافية، بينها المركز الثقافي في تلدو. وعلى أطراف القاعة، كان الأهالي يتبادلون روايات الفقدان، فيما وضعت صور الضحايا إلى جانب شموع وورود بيضاء حملها أطفال من أبناء المنطقة.
موفق القاضي، مدير منطقة الحولة، قال لموقع سوريا 24 إن إحياء الذكرى لا يهدف فقط إلى استعادة الماضي، بل إلى التأكيد على مطلب العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وأضاف أن الفعالية شهدت حضور شخصيات مدنية وعسكرية وحقوقية، بينها العميد باسم محمد شعبان، قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص، والعميد رياض الأسعد، إضافة إلى ممثلين عن لجنة العدالة الانتقالية وصحفيين وفعاليات شعبية.
لكن الذكرى هذا العام حملت بعدًا مختلفًا بالنسبة إلى كثير من الأهالي. فبعد أشهر من الملاحقة والمتابعة الأمنية، أعلنت الجهات المختصة إلقاء القبض على عدد من المشاركين في مجزرة الحولة، في خطوة أعادت ملف المجزرة إلى الواجهة من جديد، وفتحت الباب أمام مطالبات أوسع بكشف كامل تفاصيل الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب.
وبالنسبة إلى عائلات الضحايا، فإن هذه التوقيفات، رغم تأخرها لسنوات، تمثل إشارة أولى إلى إمكانية تحريك مسار العدالة الانتقالية، بعد أعوام طويلة من الإفلات من العقاب. وبين صور الأطفال الذين قتلوا داخل منازلهم، وأسماء الموقوفين الذين بدأت التحقيقات معهم، بدا وكأن الحولة تحاول للمرة الأولى أن تنتقل من ذاكرة المجزرة إلى اختبار العدالة؛ العدالة التي ينتظرها السوريون بوصفها الطريق الوحيد لإغلاق جراح الماضي ومنع تكراره مستقبلًا.
