في ساحة الساعة الجديدة، حيث اعتادت المدينة أن تلتقي على وقع الأحداث الكبرى، وقف عشرات السوريين، مساء الأحد، في صمت.
لم ترتفع الهتافات كثيرًا، ولم تطغ الشعارات على المشهد. كانت صور المفقودين والضحايا كافية لتقول ما عجزت عنه الكلمات، في وقفة احتجاجية أعادت إلى الواجهة ملفًا لا يزال مفتوحًا في الذاكرة السورية: المعتقلون والمختفون قسرًا.
جاءت الوقفة على خلفية المستجدات المرتبطة بقضية الطبيبة رانيا العباسي وأطفالها الستة، وهي القضية التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز رموز الاختفاء القسري في سوريا. وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على اعتقالها، ما تزال عائلتها، شأن آلاف العائلات السورية، تنتظر إجابات حول مصير أحبائها.
حمل المشاركون صور الضحايا ولافتات تطالب بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات النزاع. وبين الوجوه الحاضرة، بدت الوقفة وكأنها محاولة لاستعادة أسماء غابت طويلًا خلف أرقام وإحصاءات، وللتأكيد على أن ملف المفقودين لم يعد قضية عائلات فحسب، بل قضية مجتمع بأكمله.
وقال وليد السعيد، خلال الوقفة، إن العدالة لضحايا الاعتقال والإخفاء القسري تمثل مطلبًا لا يمكن التراجع عنه، معتبرًا أن أي مسار نحو الاستقرار لا يكتمل من دون محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد.
وأضاف أن السوريين ما زالوا يطالبون بمساءلة جميع المتورطين في قتل المدنيين وانتهاك حقوقهم، مؤكدًا أن ذكرى الضحايا ستبقى جزءًا من الذاكرة الوطنية، وأن تضحياتهم لا يمكن أن تمحى بمرور الزمن.
كما استعاد السعيد قضية رانيا العباسي وأطفالها، بوصفها مثالًا على معاناة آلاف الأسر التي فقدت أبناءها في ظروف مشابهة، من دون أن تحصل حتى اليوم على معلومات واضحة حول مصيرهم أو على مسار قضائي يضمن محاسبة المسؤولين عن اختفائهم.
من جهته، رأى الناشط الإعلامي سليمان الرجب أن الوقفة تمثل رسالة رفض للإفلات من العقاب، وتأكيدًا على حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة.
وقال إن ما ظهر من تفاصيل مرتبطة بقضية رانيا العباسي لا يشكل سوى جزء من واقع أوسع، مشيرًا إلى وجود مئات الأطفال والعائلات الذين تعرضوا لانتهاكات مماثلة، من دون أن تحظى قضاياهم بالاهتمام أو التوثيق نفسه.
وأضاف أن العدالة الانتقالية باتت بالنسبة إلى كثير من السوريين شرطًا أساسيًا لمعالجة إرث الانتهاكات الثقيلة التي خلفتها سنوات الحرب، وإعادة الاعتبار للضحايا وعائلاتهم، وفتح الطريق أمام مصالحة تقوم على الحقيقة والمساءلة.
وتأتي هذه الوقفة في وقت تتزايد فيه المطالبات الحقوقية بكشف مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمعتقلين، وفتح ملفات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي التي تراكمت على مدى سنوات. فبالنسبة إلى عائلات كثيرة، لا يزال البحث عن الحقيقة مستمرًا، حتى بعد تغير المشهد السياسي في البلاد.
ومع انفضاض الوقفة في ساحة الساعة الجديدة، بقيت صور الضحايا مرفوعة في الأيدي لدقائق إضافية. لم يكن المشهد مجرد استذكار لأشخاص غابوا، بل تذكيرًا بأن فصلًا كاملًا من التاريخ السوري لم يكتب بعد، وأن العدالة بالنسبة إلى كثيرين لا تبدأ إلا بمعرفة ما حدث، ولا تكتمل إلا بمحاسبة المسؤولين عنه.
