لم تعد الخيام البيضاء السمة الأبرز لمخيم الضياء، الواقع غرب مدينة سرمدا في ريف إدلب الغربي، فعلى امتداد السنوات الماضية، استبدلت آلاف العائلات خيامها المؤقتة بغرف صغيرة شيدت من البلوك والقرميد، تعلوها أسقف من صفائح التوتياء المعدنية.
وبين الأزقة الترابية الضيقة تنتشر خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية فوق الأسطح، في مشهد يوحي بأن المخيم تحول تدريجيا إلى حي سكني فقير أكثر منه مركزا مؤقتا للنزوح.
لكن هذا التحول في شكل المساكن لم يغير جوهر الحكاية، فخلف الجدران التي بناها النازحون بأيديهم، ما تزال قصص النزوح مستمرة، وما تزال العودة إلى القرى والبلدات الأصلية مؤجلة بالنسبة لآلاف العائلات التي أنهكتها سنوات الحرب والفقر.
على مقربة من أحد الأزقة الترابية في المخيم، تجلس فداء العبود، المنحدرة من قرية بسقلا في ريف إدلب، متحدثة عن رحلة العودة التي لم تكتمل.
فبعد عودتها من تركيا قبل نحو تسعة أشهر، كانت تأمل أن تكون أقرب إلى قريتها ومنزلها، إلا أنها وجدت نفسها أمام واقع لا يختلف كثيرا عن سنوات اللجوء.
تقول إن الحياة داخل المخيم لا تزال تفتقر إلى أبسط المقومات الأساسية. فالمياه تصل عبر الصهاريج، والكهرباء تعتمد على ألواح شمسية محدودة، بينما تغيب الخدمات الصحية القريبة التي يمكن للعائلات الاعتماد عليها عند الحاجة.
أما أطفالها، فيضطرون يوميا إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارس خارج المخيم بسبب محدودية الخدمات التعليمية داخله.
وتوضح أن منزل العائلة في القرية ما يزال بحاجة إلى أعمال ترميم لا تستطيع الأسرة تحمل تكاليفها، مضيفة: “كثير من العائلات تريد العودة، لكنها لا تملك المال لإصلاح منازلها”، مشيرة إلى أن “هناك نساء فقدن المعيل ولا يوجد من يساعدهن. أوضاعهن أصعب من الجميع”.
وفي جزء آخر من المخيم، يعيش يوسف إبراهيم مندو، النازح من مدينة حاس في ريف إدلب الجنوبي، منذ عام 2020 مع أسرته المؤلفة من سبعة أفراد.
رغم عمله في شركة خاصة بدخل شهري يقارب 300 دولار، فإن العودة بالنسبة إليه ما تزال مؤجلة.
يقول لموقع سوريا 24 إن منزله في حاس دمر بالكامل خلال سنوات الحرب، ولم يعد صالحا للترميم، بل يحتاج إلى إزالة وإعادة بناء من الصفر.
ويضيف: “نريد العودة، لكن ليس لدينا بيت نعود إليه. المنزل يحتاج إلى إعادة بناء كاملة، وهذا أمر يفوق إمكاناتنا”.
وبالنسبة لعبود، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة بالأوضاع الأمنية بقدر ما ترتبط بالعجز عن تأمين تكاليف إعادة الإعمار، في ظل تراجع المساعدات الإنسانية التي كانت تشكل مصدر دعم أساسيا للأسر النازحة.
غير أن أزمة سكان المخيم لا تتوقف عند صعوبة العودة فقط، بل تمتد إلى تراجع الخدمات الإنسانية التي كانت تشكل شبكة أمان أساسية للنازحين.
فاطمة، وهي نازحة من مدينة حاس وتقيم في مخيم الضياء منذ سبع سنوات، تقول إن ظروف الحياة داخل المخيم أصبحت أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق.
وتوضح أن المخيم كان يحظى قبل سنوات بخدمات ومساعدات أكثر انتظاما، بما في ذلك توزيع المياه والخبز وبعض أشكال الدعم الإنساني، إلا أن معظم هذه الخدمات تراجعت أو توقفت.
وتقول: “قبل سنوات كان هناك ماء وخدمات ومساعدات تساعد الناس على العيش. أما اليوم فلم يعد هناك شيء تقريبا، حتى الخبز الذي كان يوزع على العائلات توقف”.
وتشير إلى أن أكثر ما يرهق السكان حاليا هو تراكم النفايات والغبار وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، إلى جانب النقص المستمر في المياه وغياب الخدمات الصحية.
ورغم أن أسرتها تمكنت من تنفيذ بعض أعمال الترميم في منزلها بمدينة حاس، فإن الأضرار الكبيرة التي لحقت به، نتيجة قصف نظام الأسد البائد، وعدم القدرة على استكمال الإصلاحات ما تزال تمنعها من العودة.
وتضيف: “رممنا جزءا من المنزل، لكننا لم نستطع إكماله. نحتاج إلى أبواب ونوافذ وأعمال كثيرة أخرى، ولا نملك المال الكافي لذلك”.
وحين تسأل عن أمنيتها، تجيب دون تردد: “لا أحد يحب البقاء في المخيم. نريد فقط من يساعدنا على إكمال منزلنا والعودة إليه”.
في مخيم الضياء، كما في عشرات المخيمات المنتشرة في شمال غربي سوريا، لم تعد الخيمة هي المشكلة الأساسية. فمع انحسار المعارك في كثير من المناطق، باتت العودة مرتبطة بعوامل أخرى أكثر تعقيدا: منزل مدمر، دخل محدود، ومساعدات إنسانية تتراجع عاما بعد آخر.
وبين بيوت فقدت أصحابها ومخيمات تحولت من حلول مؤقتة إلى أماكن إقامة طويلة الأمد، تستمر حياة آلاف العائلات معلقة بين مكان لا تريد البقاء فيه، وآخر لا تستطيع العودة إليه.
