مالية حلب تراهن على الرقمنة والإعفاءات الضريبية لدعم التعافي الاقتصادي

حجم الخط

في مبنى مديرية مالية حلب، حيث كان إنجاز معاملة واحدة يتطلب في السابق التنقل بين عدة مكاتب وأقسام، تسعى الإدارة المالية اليوم إلى تقديم صورة مختلفة عن دورها في مرحلة ما بعد الحرب. فمنصة للحجز الإلكتروني، ونافذة واحدة تجمع عشرات الخدمات، وصالات جديدة للمعاملات العقارية، إلى جانب إعفاءات ضريبية للمنشآت المتضررة، تشكل جميعها جزءاً من خطة تقول المديرية إنها تهدف إلى دعم التعافي الاقتصادي وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين والمستثمرين.

ويؤكد محمد مسلم، رئيس قسم الواردات ومعاون مدير مالية حلب، لموقع سوريا 24 أن المديرية عملت خلال الفترة الماضية على تطوير دورها بما يتجاوز مهمة استيفاء الضرائب والرسوم، لتتحول إلى شريك يسعى إلى تقديم التسهيلات التي أتاحها القانون للمواطنين وأصحاب الفعاليات الاقتصادية.

إعفاءات ضريبية لدعم المنشآت المتضررة

وفي هذا الإطار، يشير إلى القرار رقم 790 المتعلق بترقيم وشطب الآلات والسجل الصناعي للمنشآت المتضررة، موضحاً أن مديرية مالية حلب تتابع تنفيذ القرار عبر لجان مختصة تستقبل طلبات المواطنين وتدرسها وفق الأصول القانونية.

كما يلفت إلى أهمية المرسوم رقم 69 الذي منح إعفاءات ضريبية للمنشآت الصناعية والتجارية والسياحية المتضررة نتيجة العمليات العسكرية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2024، مبيناً أن هذه الإعفاءات قد تصل إلى أربع سنوات كاملة بنسبة 100 بالمئة من إجمالي الضريبة المستحقة، بما يسمح لأصحاب المنشآت بإعادة تشغيل أنشطتهم الاقتصادية واستعادة أعمالهم.

ويرى مسلم أن هذه القرارات والمراسيم أسهمت بصورة مباشرة في دعم جهود التعافي الاقتصادي، وعززت دور وزارة المالية كشريك في دعم الاقتصاد وإعادة بناء الثقة بين المكلفين والإدارة المالية.

النافذة الواحدة.. تجميع الخدمات في مكان واحد

وفي موازاة ذلك، ركزت مديرية مالية حلب خلال الفترة الماضية على تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين وتبسيط الإجراءات الإدارية. ويوضح مسلم أن مشروع النافذة الواحدة يشكل أحد أبرز هذه الخطوات، إذ يهدف إلى تجميع عدد كبير من الخدمات في مكان واحد، بما يختصر الوقت والجهد على المواطنين ويحد من الحاجة إلى التنقل بين الأقسام المختلفة داخل المديرية.

الحجز الإلكتروني والتحول الرقمي

كما أطلقت المديرية، بتوجيه مباشر من مدير مالية حلب، منصة للحجز الإلكتروني الخاصة بمعاملات البيوع العقارية، استجابة للحاجة إلى تنظيم استقبال المراجعين والحد من الازدحام، إلى جانب دعم مسار التحول الرقمي الذي تتبناه المديرية بالتعاون مع الهيئة العامة للضرائب والرسوم ووزارة المالية، بهدف تحديث أساليب العمل الإداري والتقليل من الروتين والبيروقراطية.

توسيع الخدمات خارج مركز المدينة

ولم تقتصر الإجراءات على مركز المدينة، إذ تم خلال الفترة الماضية تفعيل مديريات المال في مناطق أعزاز والأتارب وجرابلس ومنبج والباب، حيث باشرت هذه المديريات تقديم خدماتها للمواطنين، ما ساهم في تخفيف أعباء التنقل وتقريب الخدمات المالية من السكان، والحد من المركزية التي كانت تتركز سابقاً في مدينة حلب.

خدمات ضريبية متكاملة عبر النافذة الواحدة

من جهته، يوضح عبد الكريم بننود، رئيس دائرة النافذة الواحدة، أن الدائرة تستقبل مختلف البيانات الضريبية الخاصة بالمكلفين من فئات الأرباح الحقيقية وكبار المكلفين والمكلفين بضريبة الإنفاق الاستهلاكي والمنشآت السياحية، إضافة إلى تسجيل عقود الإيجار السكنية والتجارية وفق القانونين رقم 10 ورقم 15.

كما تتولى الدائرة منح الرقم الضريبي للمكلفين، وتستعد اعتباراً من الأول من تموز المقبل لإطلاق خدمة منح براءة الذمة المالية الخاصة بالاستيراد إلكترونياً عبر منصة أعدتها وزارة المالية.

ويشير بننود إلى أن عدد المراجعين اليومي يتراوح بين 500 و800 مراجع، وقد يتجاوز ألف مراجع خلال فترات الذروة المرتبطة بتقديم البيانات الضريبية ضمن المهل القانونية.

معالجة التحديات وتوسيع البنية الخدمية

وحول التحديات التي واجهت العمل، يلفت بننود إلى أن أبرز الصعوبات تمثلت في ضعف خدمة الإنترنت، إلا أن المديرية تمكنت من تجاوز هذه المشكلة بعد إدخال خط إنترنت جديد عالي السرعة، ما انعكس على سرعة إنجاز المعاملات وتحسين مستوى الخدمات المقدمة.

وفي إطار تطوير البنية الخدمية، تعمل المديرية حالياً على تجهيز صالة جديدة لإضافة خدمات أخرى وتخفيف الازدحام في الطابقين السادس والسابع، فيما تم بالفعل افتتاح صالة خاصة بدائرة تجارة العقارات في الطابق الأرضي، مخصصة لمعاملات البيوع السكنية وأحكام المحاكم، بما يتيح للمواطنين إنجاز جزء كبير من معاملاتهم دون الحاجة إلى مراجعة الطوابق العليا.

ويؤكد بننود أن منصة الحجز الإلكتروني تتيح لكل مراجع الحصول على موعد محدد بتاريخ وساعة معينين، ما يساعد على تنظيم حركة المراجعين والحد من الازدحام وأوقات الانتظار، خاصة في معاملات تجارة العقارات وعمليات البيع والشراء.

رسم الإنفاق الاستهلاكي وآلية تطبيقه

أما على صعيد الضرائب النوعية، فيوضح يوسف قطيع، رئيس الشعبة الميدانية للإنفاق الاستهلاكي، أن رسم الإنفاق الاستهلاكي يطبق على عدد من المنشآت الصناعية وبعض القطاعات السياحية استناداً إلى التشريعات النافذة وتعليمات وزارة المالية.

ويشير إلى أن المديرية اعتمدت خلال الفترة الأخيرة مقاربة جديدة تقوم على تحسين العلاقة مع المكلفين وتغيير النظرة الجبائية التقليدية التي كانت سائدة في السابق، سواء مع الصناعيين أو التجار أو العاملين في القطاع السياحي.

جولات ميدانية ومقاربة جديدة مع المكلفين

وفي هذا السياق، نفذت الشعبة عدداً من الجولات الميدانية، مع مراعاة خصوصية كل منشأة صناعية وطبيعة النشاط الذي تمارسه، بما يضمن تطبيق القوانين بصورة تتناسب مع طبيعة كل قطاع.

ويبين قطيع أن نسب رسم الإنفاق الاستهلاكي تختلف من مهنة إلى أخرى، حيث تبلغ 10 بالمئة على مهن الزينة والتجميل، و2 بالمئة على صناعة الشوكولاتة، إضافة إلى رسوم أخرى تختلف بحسب طبيعة النشاط.

ويشرح أن رسم الإنفاق الاستهلاكي يعد رسماً مكملاً لضريبة الدخل، ويطبق بموجب أحكام المرسوم التشريعي رقم 11 لعام 2015، الذي حدد المنشآت والقطاعات الخاضعة له.

وتشمل هذه القطاعات عدداً من الأنشطة الصناعية المحددة قانوناً، إضافة إلى بعض المنشآت السياحية المصنفة، وصناعات مثل الشوكولاتة والزينة والتجميل وبعض الصناعات الكهربائية والمنزلية، بما فيها البرادات والغسالات والفرامات المنزلية وغيرها من المنتجات.

وتتراوح نسب الرسم بين 1 و2 و10 بالمئة بحسب طبيعة النشاط، فيما تخضع بعض المنشآت السياحية لرسم إنفاق استهلاكي بنسبة 1 بالمئة دون إضافات أخرى.

بين التحديث الإداري ومتطلبات التعافي الاقتصادي

وبينما تحاول مديرية مالية حلب تقديم نفسها بوصفها شريكاً في عملية التعافي الاقتصادي، تبقى فعالية هذه الإجراءات مرتبطة بقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الإيرادات العامة من جهة، وحاجة القطاع الخاص إلى بيئة أكثر مرونة وقدرة على استعادة النشاط والاستثمار من جهة أخرى، في مدينة ما تزال آثار الحرب حاضرة في جزء كبير من بنيتها الاقتصادية والإدارية، كما أنها تبقى مرهونة بمدى رضا المواطن ولمسه للتغير الحاصل فيما بعد سقوط النظام.