الشيباني في بيروت.. رسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات السورية–اللبنانية

حجم الخط

جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات سياسية متسارعة، مع استمرار محاولات إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد سنوات من الصراعات التي أعادت تشكيل خريطة التحالفات في المشرق.

وفي الوقت نفسه، تسعى الدولة السورية الجديدة إلى إعادة بناء علاقاتها مع محيطها العربي عبر خطاب يركز على الانفتاح السياسي والتعاون الاقتصادي، وهو ما منح الزيارة أهمية تتجاوز إطارها الثنائي، لتصبح مؤشراً على طبيعة المقاربة التي تسعى دمشق إلى اعتمادها في علاقتها المستقبلية مع بيروت.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها الأولى بهذا المستوى منذ التغيير السياسي في سوريا، فيما لا تزال العلاقات السورية–اللبنانية تحمل إرثاً من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، بدءاً من الحدود والأمن، مروراً بحركة التجارة والترانزيت، وصولاً إلى طبيعة إدارة العلاقة بين البلدين خلال العقود الماضية.

كما جاءت الزيارة بعد أشهر من نقاشات لبنانية رافقت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب تلميحات سياسية تناولت مستقبل الدور السوري في لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بملف سلاح حزب الله، وهو ما دفع دمشق، وفق قراءات سياسية، إلى التأكيد، عبر برنامج الزيارة وخطابها الرسمي، أن العلاقة في المرحلة المقبلة ستدار عبر مؤسسات الدولتين، وفق مبدأ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

من “الدولة إلى الدولة”.. إعادة تنظيم العلاقة

عكس برنامج الشيباني هذا التوجه، إذ لم يقتصر على اللقاءات الدستورية مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بل شمل أيضاً لقاءات مع مرجعيات دينية وسياسية، من بينها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، إضافة إلى زيارة مدينة طرابلس.

وخلال لقاءاته، كرر الشيباني أن العلاقات السورية–اللبنانية يجب أن تقوم على مبدأ “الدولة إلى الدولة”، مع احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إلى جانب تطوير التعاون في ملفات الأمن، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية. كما أعلن استعداد دمشق للتواصل مع مختلف القوى اللبنانية إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين.

وبرز خلال الزيارة الإعلان عن إنشاء اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة، بوصفها إطاراً مؤسساتياً لتنظيم التعاون بين الحكومتين، بما يشمل الملفات السياسية والاقتصادية والإدارية، في خطوة تعكس توجهاً نحو إدارة العلاقات عبر المؤسسات الرسمية.

الربيع: الزيارة جزء من مشروع إقليمي أوسع

ويقول رئيس تحرير صحيفة “المدن” منير الربيع، في حديثه لموقع سوريا 24، إن زيارة الشيباني لا تقتصر على إعادة ترتيب العلاقات الثنائية، وإنما تأتي، بحسب قراءته، في سياق تحولات إقليمية تشهد محاولات لبناء تفاهمات جديدة، من بينها مسار المفاوضات الإيرانية–الأميركية، إلى جانب جهود التقارب بين إيران ودول الخليج.

ويرى الربيع أن هذه التحولات تفتح المجال أمام مشروع إقليمي يقوم على الحد الأدنى من المصالح المشتركة والتكامل بين دول المنطقة، في مقابل ما يصفه بمشروع إسرائيلي يسعى إلى تكريس الانقسام الإقليمي واستثمار الخلافات بين دول المنطقة. ويعتبر أن أي تفاهمات إقليمية من شأنها أن تحد من قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها السياسية والأمنية، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، حرصها على إبقاء المنطقة في حالة استقطاب.

ويضيف أن دمشق تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءاً من مشروع إقليمي يقوم على التكامل السياسي والاقتصادي، ويجعل من سوريا نقطة تقاطع بين الخليج والمشرق وتركيا، بما يفتح المجال أمام مشاريع للنقل والتجارة والطاقة، ويرى أن تطوير العلاقات مع لبنان يمثل أحد مكونات هذا التصور.

عين التينة ورسائل الطمأنة

وفي الشأن اللبناني، يرى الربيع أن الزيارة حملت رسالة واضحة مفادها أن العلاقة بين دمشق وبيروت ستُبنى على مبدأ “الدولة إلى الدولة”، من خلال مأسسة التعاون عبر اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة، وإعادة تنظيم العلاقات ضمن الأطر الرسمية، معتبراً أن ذلك يشكل رداً على المخاوف التي أثيرت خلال الفترة الماضية بشأن طبيعة الدور السوري في لبنان.

ويضيف أن اللقاء الذي جمع الشيباني برئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة اكتسب أهمية خاصة، لأنه عكس، بحسب قراءته، رغبة دمشق في ترسيخ مسار سياسي جديد يقوم على الانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية، وتعزيز التعاون في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين البلدين.

كما يشير الربيع إلى أن دمشق حرصت، عبر تصريحات الشيباني، على نفي أي نية للتدخل في الشأن اللبناني أو القيام بأي دور عسكري داخل لبنان، مؤكداً أن التعاون المقترح يقتصر على التنسيق بين الدولتين في القضايا المشتركة، ولا سيما ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتعزيز الاستقرار.

ويرى كذلك أن الشيباني طرح استعداد سوريا للمساعدة في مواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، بما في ذلك ملف السلاح، شريطة أن تتم معالجة هذا الملف في إطار الحوار الداخلي اللبناني، وتطبيق اتفاق الطائف، وحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن إعلان دمشق استعدادها للانفتاح على التواصل مع حزب الله، إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين، يعكس، بحسب قراءته، مقاربة تقوم على الحوار مع مختلف الأطراف اللبنانية.

حاوي: سياسة تقوم على خفض التوتر

ومن زاوية أخرى، يقول عضو مجلس الشعب السوري بشر حاوي، في حديثه لموقع سوريا 24، إن زيارة الشيباني تعكس سياسة تتبناها الإدارة السورية الجديدة تقوم على خفض التوتر وتصفير المشكلات مع دول الجوار، وفي مقدمتها لبنان، بالنظر إلى تشابك الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين.

ويضيف حاوي أن دمشق حرصت خلال الزيارة على تبديد المخاوف التي أثيرت بشأن احتمال عودة أي دور سوري في الشأن اللبناني، مؤكداً أن المقاربة السورية تقوم على احترام سيادة لبنان وبناء علاقة قائمة على التعاون السياسي بين الدولتين.

ويرى أن أي دور سوري مستقبلي سيكون، إذا اقتضته الظروف، في إطار سياسي ودبلوماسي، بعيداً عن أي مقاربة أمنية أو عسكرية، مع التركيز على أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وتعزيز التعاون الاقتصادي.

الاقتصاد بوابة المرحلة الجديدة

وفي قراءتها للبعد الاقتصادي، تقول الصحفية اللبنانية المهتمة بالشأن الاقتصادي فيوليت بلعة، في حديثها لموقع سوريا 24، إن الزيارة اكتسبت أهمية من حيث الشكل والمضمون، باعتبارها أول زيارة رسمية علنية لوزير خارجية سوري إلى لبنان وفق منطق العلاقات بين الدول، معتبرة أن إنشاء اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة يمثل تحولاً مؤسساتياً مهماً مقارنة بالمجلس الأعلى اللبناني–السوري الذي ارتبط بمرحلة سابقة.

وترى بلعة أن الرسالة التي حملتها دمشق تقوم على الشراكة، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، معتبرة أن اتساع برنامج الزيارة ليشمل المرجعيات السياسية والدينية، إلى جانب زيارة طرابلس، يعكس رغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

وتضيف أن نجاح هذا المسار يتطلب الإسراع في تفعيل آليات التعاون، ولا سيما في ملفات ضبط الحدود، ومنع التهريب، وإعادة تنشيط حركة الشحن والترانزيت، باعتبار سوريا المنفذ البري للبنان نحو الأسواق العربية، فضلاً عن التعاون في مشاريع إعادة الإعمار، التي ترى أنها قد تشكل فرصة اقتصادية مشتركة للبلدين إذا ما أُنجزت ضمن أطر مؤسساتية مستقرة.

اختبار التنفيذ

وبين الرسائل السياسية التي حملتها زيارة الشيباني والقراءات التي قدمها الربيع وحاوي وبلعة، يبرز توافق على أن الزيارة تمثل محاولة لإعادة تنظيم العلاقات السورية–اللبنانية ضمن أطر رسمية جديدة، مع اختلاف زوايا النظر إلى دوافعها وأولوياتها.

ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة الجانبين على تحويل الرسائل السياسية إلى خطوات تنفيذية في ملفات الأمن والحدود والاقتصاد، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين.