عمال المياومة في ريف حلب.. يوميات شاقة بأجور لا تكفي لتأمين الخبز

حجم الخط

منذ ساعات الصباح الأولى، يقف عشرات عمال المياومة في ساحات المدن والبلدات بريف حلب الشمالي، بانتظار فرصة عمل قد تأتي وقد لا تأتي. يحملون أدواتهم ويعرضون أجسادهم لأعمال شاقة تحت أشعة الشمس، مقابل أجور متدنية لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل غلاء طال مختلف الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن ونقل.

ويواجه هؤلاء العمال ظروفًا اقتصادية صعبة، إذ يعتمدون على دخل يومي غير ثابت، قد يؤمن لهم قوت يومهم في بعض الأيام، بينما يعودون في أيام أخرى إلى منازلهم أو مخيماتهم دون أي مردود، ما يزيد من أعباء الأسر التي تعتمد بشكل كامل على هذا النوع من العمل.

رحلة يومية بحثًا عن فرصة عمل

كل صباح، وقبل شروق الشمس بقليل، يغادر محمود أبو طه (28 عامًا)، المقيم في أحد مخيمات ريف حلب الشمالي، مكان إقامته في منطقة شمارخ التابعة لناحية شمارين، متوجهًا إلى مدينة أعزاز بحثًا عن فرصة عمل تساعده في إعالة أسرته.

يقول محمود لـ”سوريا 24”: “أخرج من المخيم عند الساعة السادسة والنصف صباحًا، وأتوجه مع عدد من العمال إلى ساحة الكفين في مدينة أعزاز، حيث ننتظر من الساعة السابعة صباحًا وحتى ساعات المساء، لعل أحدًا يطلبنا للعمل”.

يعمل محمود في مجال البناء والإنشاءات، وأحيانًا في أعمال التحميل والعتالة، ويقبل بأي فرصة متاحة، موضحًا أن طبيعة الأعمال التي يقوم بها العمال تعتمد بشكل أساسي على الطلب اليومي، وتشمل صب الإسمنت، وأعمال الحجر والكرانيت، ونقل البلوك، وغيرها من الأعمال التي تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا.

ويشير إلى أن أجورهم غير مستقرة، إذ تتراوح اليومية بين 300 و600 ليرة تركية، أي أقل من 7 دولارات في أفضل الأحوال، بينما تمر أيام كثيرة لا يحصل فيها سوى على نحو 200 ليرة تركية، أي ما يعادل قرابة 4 دولارات، وأحيانًا يعود إلى المخيم دون أي دخل.

ويضيف محمود أن صعوبة الحياة أجبرته على الاستمرار في هذا العمل رغم مشقته، قائلًا: “نحن من سكان المخيمات، وانقطع عنا الدعم بشكل شبه كامل، ولدينا عائلات وأطفال يحتاجون إلى الطعام وكافة مستلزمات الحياة”.

ويتابع: “منزلي في مدينة حلب مدمر بالكامل، وما زلت أعيش مع أهلي في المخيم، وحتى المخيم أصبحنا مهددين بالإخلاء”.

محمود ليس سوى واحد من عشرات العمال الذين يواجهون ظروفًا مشابهة يوميًا، إذ تحول العمل المؤقت بالنسبة لهم إلى وسيلة وحيدة للبقاء، رغم عدم قدرته على تأمين الاستقرار المادي أو تلبية الاحتياجات الأساسية.

أجور قليلة مقابل أعمال شاقة

في مخيم الرحمة بمنطقة سجو، يعيش حسن أبو وحيد (36 عامًا) واقعًا مشابهًا، إذ يغادر مع ساعات الفجر الأولى متوجهًا إلى مدينة أعزاز، على أمل الحصول على عمل يوفر لعائلته الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

يقول حسن: “أخرج من المخيم عند الساعة السادسة صباحًا، وأتوجه إلى مدينة أعزاز، حيث نجتمع أنا والعشرات من العمال بانتظار أي طلب عمل يمكن أن يؤمن لنا قوت يومنا”.

ولدى حسن خمسة أطفال، ويؤكد أن هدفه الأساسي هو تأمين احتياجاتهم اليومية، مضيفًا: “لا نبحث عن الرفاهية، بل عن لقمة العيش ومتطلبات الحياة الأساسية”.

ويشرح أن العمال القادمين من المخيمات ينتظرون لساعات طويلة للحصول على أعمال شاقة، مثل تحميل البلوك أو أكياس القمح والشعير، مشيرًا إلى أن وزن كيس القمح يصل إلى نحو 120 كيلوغرامًا، في حين لا يتجاوز أجر تحميل الكيس الواحد 12 ليرة تركية.

ويؤكد حسن أن حجم الجهد المبذول لا يتناسب مع الأجور التي يحصلون عليها، إذ يضطرون إلى حمل أوزان ثقيلة، والصعود على السلالم، والعمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، ما يعرضهم لخطر الإصابات الجسدية.

ويضيف: “في كثير من الأيام لا تتجاوز يوميتنا 100 ليرة تركية، يذهب منها 40 ليرة أجرة نقل، وما يتبقى بالكاد يكفي لشراء الخبز، أما تأمين وجبة طعام متكاملة للعائلة فأصبح أمرًا يفوق قدرتنا”.

غياب الاستقرار يفاقم معاناة العمال

يؤكد عمال المياومة أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض الأجور فقط، بل تمتد إلى غياب أي ضمانات أو مصادر دخل ثابتة، ما يجعلهم في مواجهة مستمرة مع القلق بشأن تأمين احتياجات أسرهم.

وفي ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، باتت اليومية التي يحصل عليها العامل لا تكفي لتغطية أبسط متطلبات الحياة، بينما تبقى فرص العمل الدائمة محدودة، ما يدفع كثيرين إلى قبول أعمال شاقة بأجور منخفضة خشية فقدان أي مصدر للدخل.

ويناشد محمود وحسن الجهات المعنية توفير فرص عمل مستقرة للشباب والعمال، تضمن لهم دخلًا ثابتًا يساعدهم على إعالة أسرهم، كما يدعوان أصحاب العمل إلى مراعاة ظروفهم ومنحهم أجورًا تتناسب مع حجم الجهد والمشقة التي يتحملونها يوميًا.