مدارس حفير.. مبادرة محلية تحاول إنقاذ عام دراسي من واقع “كارثي”

حجم الخط

في بلدة حفير بالقلمون بريف دمشق، لا تبدو العودة إلى المدرسة بالنسبة للطلاب مجرد بداية لعام دراسي جديد، بل عودة إلى مبانٍ أنهكها الإهمال، تفتقر إلى كثير من أبسط مقومات البيئة التعليمية.

ففي بلدة يتجاوز عدد سكانها 25 ألف نسمة، ويُقدّر بنحو 30 ألفًا مع احتساب المقيمين والمغتربين، لا توجد سوى مدرستين تخدمان هذا العدد من السكان، فيما تعاني المدرستان من تدهور كبير في بنيتهما وتجهيزاتهما، وسط محاولات محلية لتأهيلهما قبل بدء العام الدراسي الجديد.

وتصف سلمى سيف، ابنة بلدة حفير ومديرة حملة «جيل يستحق الأفضل»، واقع المدارس بأنه «كارثي»، مشيرة إلى أن وضعها وصل إلى درجة تجعل الداخل إليها يشعر، على حد تعبيرها، «كأنه فايت على سجن، مش فايت على مدرسة».

بلدة تضاعف ضغطها السكاني

لم يكن الوضع السكاني في حفير على حاله اليوم. فغالبية سكان البلدة كانوا يعيشون في السابق خارجها، وكانت حفير بالنسبة إلى كثير منهم مكانًا يقصدونه في فصل الصيف وخلال العطل، بينما ارتبطت مصادر رزقهم وأملاكهم ومعيشتهم بمناطق أخرى، ولا سيما مدينة دمشق.

ومع اندلاع الثورة السورية، شارك قسم كبير من أبناء البلدة في الحراك، وقدمت حفير عددًا من الشهداء والمفقودين والجرحى والمصابين. كما نزحت إليها عائلات من مناطق القابون وبرزة وحي تشرين، ما أدى إلى ارتفاع الضغط السكاني في البلدة، بالتزامن مع تراجع كبير في مستوى الخدمات الأساسية.

وتقول سيف إن الخدمات في حفير وصلت إلى مستوى متدنٍ للغاية، فيما تراكمت احتياجات السكان خلال السنوات الماضية، بدءًا من المياه والطرقات وغيرها من الخدمات، وصولًا إلى المدارس.

وبحسب سيف، فإن أولويات المجتمع المحلي خلال الفترة الماضية انصبت على ملفات خدمية أخرى، وفي مقدمتها تأمين المياه، وبعض الاحتياجات التي يمكن التعامل معها بإمكانات محدودة، بينما بقي ملف المدارس من بين الملفات التي تحتاج إلى أعمال إصلاح واسعة وتكاليف أكبر.

مدرستان لعشرات الآلاف

رغم عدد السكان الكبير، لا تضم حفير سوى مدرستين، تعانيان من تدهور شديد في حالتهما الإنشائية والخدمية.

وتشير سيف إلى أن وضع المدرستين يُعد من أبرز المؤشرات على حجم الأزمة التي تعاني منها البلدة، خصوصًا أن المدارس لم تحظَ، قبل التحرير، بأعمال إصلاح أو تأهيل من شأنها تغيير واقعها.

كما أن بعض الطلاب والمعلمين كانوا يضطرون إلى التوجه إلى مدرسة بعيدة جرى تأهيلها قبل التحرير بفترة قصيرة نسبيًا، وهو ما حدّ من صعوبة الوصول إليها، لكنه انعكس أيضًا على انتظام الدوام فيها، بحسب سيف.

أما المدرستان داخل البلدة، فتحتاجان إلى تدخل واسع يكاد يشمل مختلف مرافقهما وتجهيزاتهما.

«تدخل المدرسة كأنك داخل سجن»

داخل الصفوف، تبدو آثار الإهمال واضحة في تفاصيل يُفترض أن تكون أساسية لأي مدرسة.

فالتمديدات الكهربائية تعاني من تدهور كبير، والكهرباء غير متوفرة بالشكل المطلوب، فيما توجد مشكلات مرتبطة بالمياه داخل المدرسة والصفوف.

أما المقاعد، فتشكل واحدة من أكثر صور التهالك وضوحًا؛ إذ تشير سيف إلى أن نحو ثلاثة أرباعها باتت من دون ألواح خشبية، ولم يبقَ منها سوى الهياكل المعدنية في كثير من الحالات، ما يترك الطلاب أمام مقاعد غير صالحة بالشكل المطلوب للاستخدام اليومي.

ولا تبدو مكاتب الإدارة أفضل حالًا، إذ تتكون بعض المكاتب من هياكل حديدية تعلوها ألواح خشبية، في ظل غياب تجهيزات إدارية مناسبة تساعد العاملين في المدرسة على أداء مهامهم.

وتفتقر المدارس كذلك إلى كثير من المستلزمات، من خزائن وأدراج وطاولات وكراسٍ وتجهيزات أساسية أخرى، بحسب سيف، التي تؤكد أن المدرسة «تحتاج كل شيء».

ولا يتوقف الأمر عند الأثاث والتجهيزات، إذ تعاني المدارس أيضًا من مشكلة في التدفئة. فبعض المدافئ متهالكة أو غير صالحة للاستخدام، وتقول سيف إن أغلب الصفوف لم تُشغّل فيها التدفئة خلال الشتاء الماضي، ما أضاف عبئًا آخر على الطلاب والمعلمين.

أولويات متراكمة وإمكانات محدودة

لم يكن تأخر ملف المدارس، بحسب سيف، نتيجة غياب الحاجة أو عدم إدراك حجم المشكلة، وإنما جاء في سياق تراكم ملفات خدمية وإنسانية كثيرة في البلدة.

فالسكان الذين نزحوا إلى حفير من مناطق دمشق وريفها واجهوا ظروفًا معيشية صعبة، فيما تراجعت مصادر الدخل والقدرة على الاعتماد على الزراعة، بالتزامن مع تدهور ملف المياه بشكل كبير.

وخلال الفترة الماضية، جرى توجيه جزء من مساهمات المجتمع المحلي والتبرعات إلى أولويات أخرى، فيما بقيت المدارس بحاجة إلى مبالغ أكبر من قدرة الأهالي على توفيرها بمفردهم.

وكانت بعض أشكال الدعم التي وصلت إلى المدارس خلال السنوات الماضية محدودة، بينها مبادرات فردية لدعم المدرسين، إذ كان بعض الأهالي يقدمون مبالغ مالية للمعلمين لمساعدتهم في ظل ضعف الأجور، بحيث كان الدعم الذي يحصل عليه المدرس في بعض الحالات يعادل تقريبًا ضعف ما يتقاضاه كأجر عن التدريس.

«جيل يستحق الأفضل».. حملة من المجتمع للمدرسة

وسط هذه الظروف، أُطلقت حملة «جيل يستحق الأفضل» بمبادرة مجتمعية محلية، وبشكل تطوعي وغير ربحي، بهدف البدء بإعادة تأهيل مدارس البلدة وتحسين البيئة التي سيعود إليها الطلاب مع بداية العام الدراسي.

وتعتمد الحملة على مساهمات المجتمع المحلي والتبرعات، في محاولة لتنفيذ ما يمكن إنجازه وفق الإمكانات المتاحة؛ من تأهيل صف أو صفين، إلى إصلاح مكتب الإدارة أو معالجة أحد الاحتياجات الأساسية في المدرسة.

وتوضح سيف أن المبادرة تعمل وفق مبدأ «اللي منقدر عليه»، في ظل اتساع حجم الاحتياجات مقارنة بحجم الموارد المتوفرة.

لكن تأهيل المدرسة بشكل كامل يتطلب أكثر بكثير من قدرة حملة محلية محدودة الموارد، إذ تحتاج المدرستان إلى أعمال إصلاح وتجهيز واسعة تشمل الكهرباء والمياه والأثاث والنوافذ والأبواب والتدفئة ومكاتب الإدارة وغيرها من المستلزمات.

لذلك، تسعى الحملة إلى جذب مساهمات من منظمات وجهات أخرى قادرة على دعم المشروع، بما يساعد على إنجاز أكبر قدر ممكن من أعمال التأهيل قبل بدء الدوام المدرسي.

وتأمل المبادرة أن يتمكن الطلاب، مع بداية العام الدراسي الجديد، من الدخول إلى مدارس مختلفة عن تلك التي اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية؛ مدارس توفر لهم الحد الأدنى من الأمان والراحة والملاءمة للتعلم.

ففي حفير، لا تبدو معركة تأهيل المدرستين مجرد عملية ترميم لجدران أو استبدال مقاعد متهالكة، وإنما محاولة لاستعادة جزء من البيئة التعليمية في بلدة تضاعف عدد سكانها واحتياجاتها، بينما بقيت بنيتها الخدمية والتعليمية عاجزة عن مواكبة هذا التغير.

وتأتي مبادرة تأهيل مدارس حفير في ظل واقع تعليمي متضرر على مستوى محافظة ريف دمشق، إذ بلغ عدد المدارس الخارجة عن الخدمة في المحافظة 207 مدارس، وفق تصريح لمدير الأبنية المدرسية في وزارة التربية والتعليم، المهندس محمد الحنون، في آذار 2025. وكانت الوزارة تعمل آنذاك على ترميم 26 مدرسة منها، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة «وفاق» الإنسانية.

وفي آب 2025، أعلنت الوزارة استمرار تنفيذ خطة لترميم 22 مدرسة في ريف دمشق، ضمن جهود إعادة تأهيل الأبنية التعليمية المتضررة وإعادتها إلى الخدمة.