من جنيف إلى جامعة دمشق.. برنامج لبناء قدرات سورية في الحوكمة والتعافي

حجم الخط

أطلقت جامعة دمشق اليوم الثلاثاء برنامج «سياسات وممارسات التنمية – الحوكمة والصمود والتعافي في سوريا» (DPP-GRR) للعامين 2026–2027، في شراكة مع معهد جنيف للدراسات العليا، وبدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC)، وبمشاركة المعهد الدبلوماسي السوري في تنفيذ البرنامج.

ويستهدف البرنامج مهنيين سوريين من قطاعات وخلفيات متنوعة، بهدف تطوير قدراتهم في مجالات الحوكمة والتنمية والإصلاح المؤسسي والصمود والتعافي، من خلال التعليم التنفيذي والبحث التطبيقي والتعلم المرتبط ببيئة العمل.

ويجمع المسار بين التعلم في سوريا والتدريب في جنيف، بما يتيح للمشاركين الاستفادة من الخبرات الدولية، مع إبقاء عملية التعلم مرتبطة بالسياق السوري والتحديات التي تواجه المؤسسات والمجتمع في مرحلة التعافي.

شراكة بين الخبرة الدولية والمعرفة المحلية

وقال بلال الهبيان، مستشار البرنامج، في تصريح لـ«سوريا 24»، إن إطلاق البرنامج يمثل «خطوة مهمة لتعزيز التعاون الأكاديمي الدولي وبناء القدرات الوطنية»، خصوصاً في مرحلة تتطلب الاستثمار في الإنسان والمؤسسات.

وأوضح الهبيان أن الشراكة بين جامعة دمشق ومعهد جنيف توفر منصة تجمع الخبرات الدولية بالمعرفة المحلية، بما يساعد على إعداد كوادر سورية قادرة على المساهمة في جهود الحوكمة والتعافي والتنمية المستدامة.

وأضاف أن البرنامج صُمم بطابع تطبيقي يربط المعرفة الأكاديمية بالتحديات العملية التي تواجه مؤسسات الدولة والقطاعات الأخرى والمجتمع، ويتناول موضوعات تشمل الحوكمة، وتطوير الاستراتيجيات، وإدارة التطوير والتعافي، وبناء المؤسسات، والقيادة وصنع السياسات.

وأشار الهبيان إلى أن البرنامج يعتمد على الحوار ودراسات الحالة والعمل الجماعي، إلى جانب الاستفادة من التجارب الدولية واستخلاص الدروس التي يمكن مواءمتها مع السياق السوري، بما يساعد المشاركين على تطوير حلول عملية قابلة للتطبيق في بيئات عملهم.

وتضم الدفعة الأولى مشاركين من القطاع الحكومي ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، جرى اختيارهم وفق معايير أكاديمية ومهنية تراعي تنوع الخلفيات والخبرات، بهدف تعزيز تبادل المعرفة والعمل المشترك بين القطاعات.

وقال الهبيان لـ«سوريا 24» إن البرنامج لا يقتصر على الجانب التعليمي، بل يهدف أيضاً إلى بناء مجتمع مهني مستدام من الكفاءات السورية، يتيح تبادل الخبرات والمعرفة ويفتح المجال أمام التعاون في مبادرات ومشروعات مستقبلية.

التوطين.. إبقاء المعرفة داخل السياق السوري

وقال ألكسندر دورماير فريري، مدير برنامج سياسات وممارسات التنمية في معهد جنيف للدراسات العليا، لـ«سوريا 24»، إن الشراكة مع جامعة دمشق تستند إلى نموذج يعتمده البرنامج منذ أكثر من عقدين، يقوم على التعاون مع مؤسسات وشركاء أكاديميين محليين في المناطق التي تُنفذ فيها برامجه.

وأوضح فريري أن هذا النموذج يجمع بين الخبرة الدولية لمعهد جنيف والمعرفة والشبكات والخبرات المحلية. وفي الحالة السورية، توفر جامعة دمشق فهماً للواقع المؤسسي والتحديات الاجتماعية والاقتصادية وأولويات التعافي.

وأكد أن تنفيذ البرنامج داخل سوريا، وبمشاركة مؤسسات وخبراء سوريين، يعكس مبدأ التوطين (Localisation)، بحيث تبقى المعرفة والقدرات والموارد مرتبطة بالبلد، مع الاستفادة في الوقت نفسه من خبرات معهد جنيف وشركائه الدوليين.

وأضاف فريري لـ«سوريا 24» أن التوطين يعزز الملكية المحلية للمعرفة، ويسهم في بناء شراكة أكاديمية أكثر إنصافاً، ويمكن أن يساعد على المدى الطويل في تعزيز التعليم العالي والقدرات المؤسسية في سوريا.

وأشار إلى أن البرنامج لا يقدم منهجاً دولياً ثابتاً يُطبّق بصورة موحدة، بل يكيّف محتواه مع السياق السوري وأولوياته المتغيرة.

ويشمل البرنامج، وفق فريري، موضوعات الحوكمة، والتعافي المؤسسي، والصمود، والتماسك الاجتماعي، والأمن الإنساني، وتقديم الخدمات العامة بصورة شاملة، مع الاستفادة من دراسات حالة ومساهمات خبراء سوريين.

كما يعمل المشاركون على أبحاث تطبيقية تتناول تحديات حقيقية تواجه مؤسساتهم ومجتمعاتهم، مع مناقشة تجارب من سياقات أخرى عندما تكون ذات صلة ويمكن الاستفادة منها في الحالة السورية.

قياس الأثر.. من التدريب إلى التغيير المؤسسي

وقال فريري لـ«سوريا 24» إن قياس أثر برامج التدريب من هذا النوع يحتاج إلى وقت وإلى متابعة عدة دفعات، ولذلك لن يقتصر تقييم البرنامج على التحصيل الأكاديمي للمشاركين.

وأوضح أن التقييم سينظر أيضاً إلى قدرة المشاركين على تحويل المعرفة التي اكتسبوها إلى تحسينات ملموسة داخل مؤسساتهم ومجتمعاتهم، من خلال مؤشرات تشمل مدى ارتباط الأبحاث التطبيقية بالتحديات الفعلية، والتغييرات في الممارسات المؤسسية، والمسؤوليات الجديدة التي يتولاها المشاركون، ومستوى التعاون الذي ينشأ بين القطاعات المختلفة.

كما سيأخذ البرنامج في الاعتبار المستفيدين غير المباشرين، أي الزملاء والمؤسسات والمجتمعات التي يمكن أن تمتد إليها آثار عمل المشاركين.

وفي هذا السياق، قال فريري إن المعهد يعمل على بناء مجتمع ممارسة لخريجي برنامج DPP-Syria يستمر في تبادل المعرفة وإنتاج تقارير ذات صلة بالسياسات، إلى جانب ربط المشاركين بشبكة البرنامج الدولية من الخريجين والممارسين.

وأضاف لـ«سوريا 24» أن المعهد يهدف على المدى الطويل إلى تعزيز التعاون بين جامعة دمشق ومعهد جنيف، بدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، والمساهمة في تطوير قدرات التدريس والبحث داخل المؤسسات السورية، بما يجعل الخبرة أكثر استدامة وتجذراً محلياً.

التعافي يبدأ بالاستثمار في الإنسان

وقالت سلوى المهدي، مسؤولة البرامج الوطنية في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون في دمشق، لـ«سوريا 24»، إن أهمية البرنامج ترتبط إلى حد كبير بتوقيت إطلاقه، في ظل مرحلة التعافي وإصلاح المؤسسات التي تمر بها سوريا.

وأوضحت المهدي أن البرنامج يساهم في إعداد جيل من السوريين القادرين على فهم عملية التعافي والإصلاح بمختلف أبعادها، والاستفادة من الخبرات المحلية إلى جانب تجارب دول أخرى مرت بمراحل مشابهة.

وأضافت لـ«سوريا 24» أن التعاون مع معهد جنيف يتيح للمشاركين الاطلاع على حالات وتجارب دولية في مجالات التعافي وإصلاح المؤسسات، واستخلاص دروس يمكن التفكير في تكييفها بما يتناسب مع السياق السوري.

تعاون أكاديمي يتجاوز حدود البرنامج

وقال نجيب غضبان، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة دمشق، لـ«سوريا 24»، إن التعاون مع معهد جنيف يمكن أن يفتح المجال أمام شراكة أكاديمية أوسع بين المؤسستين.

وأشار غضبان إلى إمكانية استضافة أساتذة من المعهد لإلقاء محاضرات في موضوعات مرتبطة بالتعافي وما بعد الصراع، إضافة إلى إمكانية إرسال أساتذة من جامعة دمشق إلى جنيف مستقبلاً، بما يعزز تبادل الخبرات والتعاون العلمي بين الجانبين.

ولفت إلى أهمية انعكاس هذا التعاون على العملية التعليمية وتطوير مهارات الطلاب، خصوصاً في مجالات التواصل والمهارات التقنية واللغة الإنجليزية، بما يعزز قدرتهم على الاستفادة من الفرص الأكاديمية والمهنية.

وقال غضبان لـ«سوريا 24» إن توسيع التعاون الأكاديمي يمكن أن ينعكس على تطوير المعرفة والخبرات داخل الجامعة، ويفتح مجالات إضافية أمام الطلاب والباحثين للاستفادة من التجارب الدولية.

تنظيم الخبرات واكتساب أدوات جديدة

وقال فراس إلياس، طبيب الأسنان والعامل في المجال المجتمعي والإنساني منذ أكثر من سبع سنوات، لـ«سوريا 24»، إن خصوصية البرنامج تكمن في إتاحة الخبرة الدولية للسوريين «ضمن السياق السوري».

وأوضح إلياس أن البرنامج يقدم تجربة مختلفة عن برامج سابقة كان فيها الطلاب السوريون يغادرون البلاد للمشاركة في برامج خارجية، بينما تتيح التجربة الحالية التعلم داخل سوريا، وبالشراكة مع مؤسسات سورية ومعهد جنيف.

وأضاف أن البرنامج يساعد المشاركين على تنظيم خبراتهم السابقة والتعرف إلى أدوات جديدة يمكن استخدامها في بناء البلد، سواء في القطاع الحكومي أو المنظمات أو المجتمع المدني.

ودعا إلياس الشباب، في حديثه لـ«سوريا 24»، إلى الانخراط في العمل التطوعي في سن مبكرة، ولا سيما خلال المرحلة الجامعية، معتبراً أن التخصصات والمسارات المختلفة يمكن أن تتقاطع لاحقاً في خدمة عملية بناء البلد.

وقال إن وصوله إلى البرنامج بدأ من خلال شبكة شبابية وصل عبرها الإعلان إلى عدد كبير من الأشخاص، قبل أن يخضع المتقدمون لمقابلات واختيار عدد محدود من المشاركين.

وأشار إلياس إلى أن متطلبات القبول تشمل مؤهلاً جامعياً ذا صلة، وخبرة عملية في العمل التطوعي أو التنمية أو المجتمع المدني أو المجال الإنساني، إضافة إلى مستوى قوي في اللغة الإنجليزية، نظراً إلى أن البرنامج يُدرّس باللغة الإنجليزية.

الحلول تنطلق من الواقع السوري

وقالت سالي أرسلان، المهندسة الزراعية والعاملة في المجال المجتمعي، لـ«سوريا 24»، إن مشاركتها في البرنامج ترتبط بعملها مع الشباب في مجالات القيادة والحوار والوساطة، وبمحاولة التفكير في «سوريا الجديدة».

وأوضحت أرسلان أن البرنامج يتيح للسوريين الاستفادة من خبرة معهد جنيف في مجال التنمية، ولكن من داخل سوريا ومن خلال قراءة المشكلات السورية نفسها.

وترى أن المرحلة الحالية تتيح الوصول إلى مصادر وأدوات ومعارف جديدة يمكن استخدامها لفهم المشكلات القائمة في سوريا والتعامل معها بطريقة مختلفة.

وشددت أرسلان، في حديثها لـ«سوريا 24»، على أن المطلوب ليس استيراد حلول جاهزة من الخارج، بل قراءة الواقع السوري وفهم مشكلاته، ثم استخدام المعارف والأدوات الجديدة للوصول إلى حلول تتناسب معه.

ودعت الشباب إلى تغيير طريقة التفكير وتقبّل الآخر، والنظر إلى سوريا باعتبارها بلداً للجميع، بعيداً عن اختزالها في الأنظمة والانقسامات.