مع انتقال شريحة واسعة من الموظفين في سوريا إلى استلام رواتبهم عبر تطبيق «شام كاش»، برزت خلال الأشهر الماضية شكاوى تتعلق بصعوبة الوصول إلى الأموال، ونقص السيولة في بعض منافذ السحب، وارتفاع العمولات التي يفرضها بعض الوسطاء، إلى جانب أعطال تقنية تتزامن أحيانًا مع مواعيد صرف الرواتب.
وتأتي هذه المشكلات في وقت بات فيه التطبيق قناة أساسية لصرف رواتب العاملين في القطاع العام، ما يجعل أي خلل في الخدمة ينعكس مباشرة على قدرة الموظفين على الوصول إلى دخلهم الشهري.
وكان تطبيق «شام كاش» قد شهد، في أيار الماضي، توقفًا تزامن مع بدء صرف رواتب العاملين في القطاع العام، حيث أفاد مستخدمون حينها بعدم قدرتهم على تسجيل الدخول أو تنفيذ عمليات السحب والتحويل. وسبق أن شهد التطبيق انقطاعات مماثلة خلال أشهر سابقة.
الراتب يصل إلى المحفظة.. لكن الوصول إليه ليس سهلًا
بالنسبة إلى الموظف، لا تنتهي مشكلة الراتب بمجرد ظهوره في المحفظة الإلكترونية، إذ تبدأ مرحلة أخرى عند محاولة تحويل الرصيد الرقمي إلى نقد، في ظل اعتماد شريحة واسعة من السوريين على السيولة النقدية في الإنفاق اليومي.
ويقول موظفون لـ«سوريا 24» إنهم يضطرون، في بعض الحالات، إلى التنقل بين أكثر من مركز صرافة وحوالات بحثًا عن السيولة، بينما يواجه آخرون سقوفًا محددة للسحب أو يُطلب منهم الانتظار إلى حين توفر الأموال.
وقال أحمد دياب، وهو موظف حكومي، لـ«سوريا 24»: «أنا مضطر أن ينزل راتبي على شام كاش، لكن لا أستطيع سحب ليرة منه إلا بعد دفع عمولة. بدل أن تكون العملية أسهل، أصبحت أتنقل بين الصرافات وأخسر من وقتي ومالي».
وتأتي هذه الشكاوى في وقت تتحدث فيه تقارير محلية عن أزمة سيولة أثرت في قدرة بعض منافذ الصرافة والحوالات على تلبية الطلب على السحب النقدي، ولا سيما في فترات صرف الرواتب.
عمولة رسمية محددة.. وشكاوى من تجاوزها
من أبرز الملفات التي أثارت استياء المستخدمين قيمة العمولات التي يدفعونها عند سحب الأموال.
وتؤكد إدارة «شام كاش» أن الحد الأقصى لعمولة السحب لدى الجهات المعتمدة هو 3 بالألف، أي 0.3%، وأنه لا يحق لأي جهة معتمدة تقاضي عمولة تتجاوز هذه النسبة، كما أعلنت عن خدمة مخصصة لتلقي شكاوى المستخدمين بشأن أي تجاوزات.
لكن شكاوى متداولة خلال الفترة الأخيرة تحدثت عن عمولات أعلى بكثير من السقف المعلن، وصلت، بحسب إفادات إعلامية، إلى ما بين 80 و90 ألف ليرة لكل مليون ليرة مسحوبة، أي ما يعادل نحو 8 إلى 9%، وهو ما يتطلب التحقق من كل حالة على حدة وتحديد الجهة التي فرضت هذه الرسوم.
ويقول موظفون لـ«سوريا 24» إن المشكلة لا تقتصر على قيمة العمولة، بل تمتد إلى صعوبة معرفة الرسوم مسبقًا في بعض الحالات، وعدم وضوح آلية التعامل مع الجهات التي تتجاوز السقف الرسمي.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في تصريح لـ«سوريا 24»، أن العمولات تمثل اقتطاعًا مباشرًا من دخل الموظف، خصوصًا في ظل تآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويضيف أن أثر العمولة لا ينبغي قياسه بقيمتها فقط، إذ إن الموظف يتحمل أيضًا تكاليف التنقل والانتظار وتعطل العمل، وقد يضطر، في بعض الحالات، إلى الاقتراض قصير الأجل لتغطية احتياجاته إذا تعذر الوصول إلى راتبه.
طوابير تعيد المشكلة إلى نقطة الصفر
كان التحول إلى المحافظ الإلكترونية يفترض أن يخفف الضغط على الصرافات الآلية ويمنح الموظف وسيلة أسرع للحصول على راتبه، إلا أن محدودية منافذ السحب وتفاوت توافر السيولة أعادا جزءًا من المشكلة في صورة أخرى.
وقالت رنا سليمان، وهي مدرسة في القطاع الخاص، لـ«سوريا 24»: «الطوابير لا تُحتمل. تركت عملي يومين حتى أتمكن من سحب راتبي. إذا كان الهدف هو تسهيل حياة الناس، فلماذا نضطر إلى الانتظار لساعات؟».
وتعني هذه الحالات أن الموظف قد يحصل على راتبه رقميًا، لكنه لا يستطيع استخدامه بسهولة ما لم تتوافر أمامه شبكة كافية من منافذ السحب والدفع، مع توفر السيولة اللازمة فيها.
ويشير الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن نجاح منظومة الدفع الإلكتروني لا يرتبط بالتطبيق وحده، بل بقدرة النظام المالي المحيط به على توفير السيولة بصورة مستمرة، خاصة في فترات الذروة التي تتزامن مع صرف الرواتب.
وبحسب تحليله لـ«سوريا 24»، فإن تعطل الوصول إلى الأرصدة أو صعوبة تحويلها إلى نقد قد يؤدي إلى تراكم طلب مؤجل على السيولة، بحيث يتجه المستخدمون إلى سحب كامل رواتبهم فور عودة الخدمة، خشية تكرار المشكلة، الأمر الذي قد يزيد الضغط على مصادر النقد.
أعطال تقنية في توقيت حساس
ولا تتعلق شكاوى المستخدمين بالسيولة والعمولات فقط، إذ شهد «شام كاش» أعطالًا وتوقفات متكررة في فترات مختلفة، بعضها تزامن مع مواعيد صرف الرواتب.
وفي نيسان الماضي، أشارت تقارير محلية إلى تكرر تعطل التطبيق في بداية الشهر، مع ربط إدارة التطبيق بعض الأعطال بأسباب فنية وتحديثات أُدخلت على النظام. كما تحدثت التقارير عن استمرار توقف الخدمة في فترات صرف رواتب لاحقة.
وفي أيار، أفاد مستخدمون بتوقف مفاجئ في التطبيق بالتزامن مع بدء صرف رواتب العاملين في القطاع العام، مع تعذر تسجيل الدخول أو تنفيذ عمليات السحب والتحويل لدى بعض المستخدمين.
وترى سمر الخياط، وهي موظفة حكومية، أن تكرار المشكلة يحتاج إلى معالجة جذرية، وقالت لـ«سوريا 24»: «الأمر بحاجة إلى حل. إما أن نجد بديلًا عن التطبيق ونسلّم الرواتب بطريقة أخرى، أو أن يتم ضمان استقرار الخدمة ومنع توقفها المتكرر. نحن بحاجة إلى خدمة مالية تسهّل علينا الحصول على رواتبنا، لا أن تزيد الأعباء».
ويقول الدكتور محمد لـ«سوريا 24» إن تعطل التطبيق لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلل تقني عابر، لأن الموظف الذي يعتمد عليه في تلقي راتبه يتعامل معه باعتباره جزءًا من بنيته المالية اليومية.
وبحسب الخبير، فإن توقف الخدمة يقطع تدفق الدخل اللازم لتغطية النفقات الأساسية، ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المستخدم، ومع تكرار الأعطال قد تتراجع الثقة بالمنظومة الرقمية ككل.
من مشكلة تقنية إلى أزمة ثقة
يرى محمد أن الأثر الأخطر لتكرار الأعطال لا يتمثل في فترة التوقف نفسها، وإنما في تداعياتها على سلوك المستخدمين.
ويشرح لـ«سوريا 24» أن فقدان الثقة باستقرار النظام الرقمي قد يدفع المتعاملين إلى الاحتفاظ بأموالهم نقدًا خارج القطاع المالي، بدلًا من إبقائها ضمن المحافظ والحسابات الإلكترونية، الأمر الذي قد يزيد من الطلب على النقد ويضعف أحد أهداف التحول الرقمي، والمتمثل في تعزيز الشمول المالي.
ويضيف أن كل عطل جديد أو عمولة غير واضحة يضعف قدرة النظام على بناء الثقة لدى المستخدمين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالرواتب التي تمثل المصدر الأساسي للدخل بالنسبة إلى الموظف.
هل تكفي المحفظة الإلكترونية من دون شبكة دفع واسعة؟
تواجه تجربة «شام كاش» مشكلة أخرى تتمثل في محدودية استخدام الرصيد الإلكتروني مباشرة في الحياة اليومية.
فإذا كان المستخدم غير قادر على دفع ثمن المشتريات أو الخدمات أو المواصلات من محفظته الإلكترونية على نطاق واسع، فإنه سيبقى مضطرًا إلى تحويل الرصيد إلى نقد.
وهنا تعود المشكلة إلى نقطة البداية: البحث عن مركز يوفر السيولة، والانتظار، ودفع العمولة، ثم استخدام الأموال نقدًا.
وبالتالي، فإن توسيع المحافظ الإلكترونية من دون التوسع بالتوازي في نقاط قبول الدفع الإلكتروني قد يحد من الفائدة العملية للتحول الرقمي، ويجعل السحب النقدي جزءًا أساسيًا من دورة الراتب بدلًا من أن يكون خيارًا من بين خيارات متعددة.
عبء إضافي على الموظف
ويصف الدكتور عبد الرحمن محمد، في حديثه لـ«سوريا 24»، التأثير المشترك للأعطال والعمولات بأنه يتجاوز الجانب التشغيلي.
فالموظف، وفق تحليله، يتحمل تكلفة مالية مباشرة عند دفع العمولة، وتكلفة زمنية نتيجة الانتظار والتنقل، وتكلفة اقتصادية غير مباشرة في حال اضطر إلى تأجيل التزاماته أو الاقتراض بسبب عدم تمكنه من الوصول إلى راتبه.
ويقول إن هذه الأعباء تصبح أكثر تأثيرًا عندما تكون الأجور منخفضة أصلًا، معتبرًا أن نظام الدفع الذي يُفترض أن يسهل وصول الموظف إلى دخله يجب ألا يتحول إلى مصدر كلفة إضافية عليه.
الحاجة إلى رقابة ومعايير واضحة
ويطرح الخبير الاقتصادي مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها ضرورية لمعالجة المشكلة.
فعلى المستوى التنظيمي، يدعو إلى وضع إطار رقابي واضح من مصرف سورية المركزي يحدد معايير الحد الأدنى لجودة الخدمة واستمراريتها، إلى جانب ضمان وضوح العمولات وآلية تطبيقها ومحاسبة الجهات التي تتجاوز السقف الرسمي.
وعلى مستوى السيولة، يرى ضرورة تعزيز القدرة الاحتياطية لدى المصارف وشركات الحوالات ومنافذ السحب، بما يسمح بتلبية الطلب المرتفع خلال فترات صرف الرواتب.
أما على المستوى المالي، فيرى أن المعاملات المرتبطة بالرواتب والأجور يجب أن تحظى بمعاملة مختلفة عن الخدمات التجارية، نظرًا إلى طبيعتها الأساسية بالنسبة إلى الموظف.
ويؤكد محمد أن كفاءة نظام المدفوعات تمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد، وأن التحول الرقمي لا ينجح بمجرد نقل الراتب من حساب مصرفي إلى محفظة إلكترونية، وإنما عندما يستطيع الموظف استخدام أمواله بصورة مستقرة وآمنة وبتكلفة معلومة.
بين الرقمنة وواقع الموظفين
تؤكد إدارة «شام كاش»، من جهتها، أن سقف عمولة السحب هو 3 بالألف، وأن أي جهة معتمدة تتقاضى أكثر من هذه النسبة تخالف التعرفة المحددة، مع توفير قناة لتقديم الشكاوى.
لكن استمرار شكاوى المستخدمين بشأن نقص السيولة والعمولات والأعطال يضع المنظومة أمام اختبار يتجاوز قدرة التطبيق على العمل تقنيًا.
فنجاح تجربة الدفع الإلكتروني يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل استقرار التطبيق، وتوفر السيولة، وانتشار منافذ السحب والدفع، ووضوح العمولات، ووجود رقابة فعالة وآلية واضحة لمعالجة شكاوى المستخدمين.
وبالنسبة إلى الموظف، تبقى المسألة أبسط من كل النقاشات التقنية والمالية: أن يصل راتبه في موعده، وأن يستطيع استخدامه من دون طوابير طويلة أو تكاليف غير معلنة أو أعطال تحول الرصيد الإلكتروني إلى أموال لا يستطيع الوصول إليها.
وبينما يمثل «شام كاش» خطوة في اتجاه رقمنة المدفوعات، فإن استمرار هذه المشكلات يطرح سؤالًا أساسيًا حول مدى جاهزية المنظومة المالية التي يعتمد عليها التطبيق، وحول ما إذا كان التحول الرقمي يخفف فعلًا من أعباء الموظف، أم ينقلها من طوابير الصرافات إلى طوابير مراكز السحب.