“العائلة السورية” تعيد مد جسورها.. وتجمع سوريين من محافظات مختلفة في حلب وريفها

حجم الخط

جمعت مبادرة “العائلة السورية” سوريين من محافظات ومناطق مختلفة في جولة شملت حلب وأعزاز وعفرين، تخللتها لقاءات مع سكان محليين وزيارات لمخيمات وجلسات حوارية، في مسعى لتقريب المجتمعات التي عاش كل منها تجربة مختلفة خلال سنوات النزاع، وتعزيز التواصل بينها.

وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه سوريا، إلى جانب تحديات إعادة الإعمار وعودة ملايين النازحين، مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في ترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل أكثر من عقد من الحرب والنزوح والانقسامات بين المجتمعات المحلية.

الأب جميل يشوع من الكنيسة الكلدانية في حلب، قال لموقع سوريا 24 إن فكرة “العائلة السورية” تقوم على أن سوريا “عائلة كبيرة تجمع جميع السوريين”، وإن الاختلاف في التجارب ووجهات النظر لا ينبغي أن يمنعهم من الحفاظ على ما وصفه بالبيت السوري المشترك.

وأضاف أن سنوات النزاع أنتجت سرديات سورية متعددة تحولت في بعض الأحيان إلى «جدران» تمنع السوريين من التعرف إلى بعضهم، وقال إن المبادرة تسعى إلى هدم تلك الجدران وتحويلها إلى جسور.

وقال يشوع: “من خلال هذه الزيارات، نحاول أن نكتشف بعضنا ونتعرف إلى تجارب بعضنا”، مضيفاً أن الهدف هو الاستماع إلى روايات مناطق مختلفة والبحث في إمكانية صياغة سردية مشتركة “عنوانها الرغبة في أن نكون معاً”.

وتقول الأمم المتحدة إن آثار النزاع السوري لم تقتصر على الدمار المادي والنزوح، بل امتدت إلى العلاقات داخل المجتمع.

ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن النزوح اقتلع مجتمعات بأكملها وأضعف النسيج الاجتماعي للمجتمعات النازحة، كما فرض ضغوطاً كبيرة على المجتمعات المضيفة، وإن الضغوط وانعدام الأمن عززا، في مناطق مختلفة، الانقسامات بين الجماعات.

تغريد مفلح، وهي إحدى سفيرات السلام في وحدة دعم الاستقرار وقادمة من دمشق، قالت لموقع سوريا 24 إن زيارتها كانت الأولى إلى حلب، وإنها أتاحت لها التعرف عن قرب إلى أعزاز وسكانها.

وأضافت: “نحن كسوريين بحاجة اليوم إلى أن نجلس معاً، ونتعرف إلى بعضنا، ونستمع إلى تجارب بعضنا البعض، ونبني جسوراً بيننا”.

وفي أعزاز بريف حلب الشمالي، عقد المشاركون جلسة حوارية تناولت تجربة المدينة والمنطقة خلال نحو 14 عاماً من النزاع، والتحولات العسكرية والاجتماعية والإدارية التي مرت بها.

وقال عبد القادر، وهو صحفي من أعزاز، إن الجلسة خُصصت للاستماع إلى سردية المدينة وريف حلب الشمالي، وإن الوفود تعرفت إلى ما عاشه السكان خلال سنوات الثورة السورية.

وأضاف أن المشاركين جالوا في أعزاز وزاروا مخيمات واطلعوا على واقع النازحين، إلى جانب التعرف إلى مواقع ومحطات ارتبطت بالأحداث التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

منظمة الهجرة الدولية كانت حذرت، في تقرير سابق، من أن كثيراً من العائدين يرجعون إلى مجتمعات واقعة أصلاً تحت ضغوط، حيث يمكن لضعف القدرات المؤسسية والتوترات الاجتماعية أن تقوض إعادة اندماجهم على المدى الطويل، وتقول إن التعامل مع هذه الظروف ضروري حتى تصبح العودة عاملاً للاستقرار بدلاً من أن تكون سبباً لموجات نزوح جديدة.

وقال نبيل شيخ عمر، عضو “العائلة السورية” ومنسق مبادرة “جسور سوريا”، إن الوفود المشاركة جاءت من جرمانا ودمشق واللاذقية والسلمية، وبدأت برنامجها من قلعة حلب والأسواق المحيطة بها قبل الانتقال إلى شمال المحافظة.

وأضاف أن المشاركين اطلعوا على حجم الدمار الذي أصاب بعض الأسواق والمناطق الأثرية في حلب، ثم انتقلوا إلى أعزاز، حيث زاروا مخيمات والتقوا عائلات تمكنت من العودة إلى مناطقها وأخرى لا تزال غير قادرة على ذلك.

وقال إن بعض العائلات ما زالت في المخيمات بسبب دمار منازلها أو عدم قدرتها على استئجار مساكن، في حين دُمرت بعض القرى بصورة كبيرة.

وأضاف شيخ عمر أن الاحتكاك المباشر بالمنطقة ساهم في تغيير بعض التصورات التي كان يحملها مشاركون قبل الزيارة، بعدما تعرفوا إلى السكان وواقع المنطقة بصورة مباشرة.

ويربط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بين الظروف الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، ويقول إن فقدان فرص العمل والمنافسة على الموارد المحدودة وعدم المساواة يمكن أن تؤدي إلى نزاعات وتضعف النسيج الاجتماعي، ولذلك تستهدف برامج التعافي النازحين والعائدين والمجتمعات المضيفة والمناطق المتضررة من الأزمة.

وانتقلت وفود “العائلة السورية” بعد أعزاز إلى منطقة عفرين، حيث التقت بأفراد من المكون الإيزيدي وتعرفت إلى المنطقة وتراثها، قبل اختتام الجولة بفقرة من التراث المحلي.

وقال شيخ عمر إن المنظمين حرصوا خلال الرحلة على دمج المشاركين القادمين من المحافظات المختلفة في السيارات والجولات واللقاءات وعلى طاولات الطعام، بهدف إتاحة أكبر قدر ممكن من التواصل المباشر بينهم.

وأضاف أن المبادرة تعتزم مواصلة الزيارات إلى مناطق سورية أخرى، بينها دمشق وحمص، للاستماع إلى تجارب مجتمعات مختلفة.

وختم شيخ عمر حديثه بالقول: إنّ “ما نطمح إليه من هذه الزيارات هو أن نخرج بمجتمع سوري واحد، تجمعه الهوية السورية”، رغم اختلاف المناطق والانتماءات والتنوع الديني والاجتماعي.