بعد سنوات في مخيم الهول.. أربعينية تواجه تحديات الاندماج وإثبات هوية الأبناء

حجم الخط

ست سنوات ونصف أمضتها أم عبد الرحمن في مخيم الهول، قبل أن تغادره بعد سيطرة القوات الحكومية السورية على المنطقة في كانون الثاني/يناير الماضي. نُقلت مع نساء أخريات إلى مخيم في ريف حلب، وبعد استكمال التحقيقات الأمنية، عادت إلى مسقط رأسها في بلدة حزوان بريف حلب الجنوبي، لتبدأ مرحلة جديدة لا تبدو أقل تعقيداً من سنوات المخيم.

تبلغ أم عبد الرحمن 40 عاماً. فقدت زوجها وانقطعت أخباره، وتقول إن الحياة في الهول كانت قاسية على مختلف المستويات، سواء من ناحية المعيشة أو الرعاية الصحية أو الشعور الدائم بانعدام الاستقرار.

وتضيف: «المعاناة ليست فقط في الخروج من المخيم، بل في الحياة هناك أيضاً. كل شيء كان سيئاً، وخصوصاً الوضع الصحي». ثم تقول: «الحمد لله أن الله فرّج عنا وخرجنا»، مشيرة إلى أن منظمات ساعدت في بعض مراحل الخروج، ومتمنية استمرار الدعم لمن لا يزالون بحاجة إليه.

وتصف الانتقال من المخيم إلى الخارج بأنه أشبه بالعبور بين عالمين، قائلة إن الوضع مختلف تماماً، وإنها شعرت في الأيام الأولى وكأنها تعيش في مكان لا تعرف تفاصيله.

وتقول إن العائدين يحتاجون إلى من يساعدهم على «المشي في المجتمع»، بحسب تعبيرها، سواء عبر إيجاد فرص عمل أو بناء علاقات جديدة أو التكيف مع حياة تختلف جذرياً عن حياة المخيم.

وتتمثل إحدى أولوياتها في استعادة الأوراق الثبوتية اللازمة لتسجيل أطفالها في المدارس وإعادتهم إلى التعليم بعد سنوات من الانقطاع. وتشير إلى أن فريقاً من «وحدة دعم الاستقرار» يساعدها حالياً في متابعة ملف الوثائق عبر محامٍ، بهدف تسوية أوضاعها وأوضاع أطفالها القانونية والإدارية.

وتقول أم عبد الرحمن إنها لم تتعرض لمضايقات مباشرة بعد عودتها، وإن تعامل المحيطين بها كان جيداً في المجمل، لكنها لا تزال قليلة الاختلاط بالناس، ولم تتمكن بعد من الاندماج الكامل في محيطها الجديد.

وتحاول، في الوقت نفسه، استعادة قدرتها على العمل. فقد تعلمت الخياطة خلال وجودها في المخيم، وتفكر اليوم في تحويل تلك الخبرة إلى مصدر رزق. غير أنها لا تمتلك المعدات أو رأس المال اللازم لبدء مشروع صغير، وتعتمد حالياً على مساعدات محدودة من المحيطين بها.

وتأمل أن تتمكن مستقبلاً من تأمين آلة خياطة والبدء بالعمل، بما يساعدها على الخروج تدريجياً من دائرة الاعتماد على المساعدات.

لكن العودة حملت معها مفارقة لم تكن تتوقعها. فعلى الرغم من قسوة سنوات المخيم، تقول إن وجود والدتها وأخواتها وصديقاتها هناك صنع نوعاً من الألفة افتقدته بعد المغادرة.

وتقول: «شعرت جيداً عندما التقيت بأهلي وأخواتي، لكن بعد ذلك شعرت بالغربة». وتضيف: «في المخيم كانت أمي وأخواتي ورفاقي إلى جانبي. كانت هناك ألفة أكثر.. هنا تشعر بالوحدة إذا لم تندمج مع الناس».

ولا يقتصر هذا الشعور عليها وحدها، إذ تقول إن ابنها يشعر هو الآخر بالغربة، ويخبرها بأن كثيراً من الأطفال لا يحبونه، وهو ما يزيد من صعوبة اندماجه في البيئة الجديدة.

وترى أن غياب الألفة والعلاقات الاجتماعية المطمئنة يجعل عملية الاندماج أكثر بطئاً وتعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال الذين أمضوا سنوات طويلة في بيئة مغلقة ومعزولة.

وتزداد الضغوط العائلية مع حاجة أفراد من أسرتها إلى رعاية صحية، ومن بينهم شقيقها الذي يعاني مرضاً في الدم ويحتاج إلى نقل دم بصورة دورية، فيما تحاول العائلة تأمين علاجه في دمشق.

وتقول إن العلاج يحتاج إلى أموال ومتابعة منتظمة لا تستطيع العائلة توفيرها بسهولة، لذلك تأمل في أن تساعد المنظمات الإنسانية في تأمين الرعاية اللازمة له.

ويبقى القلق الأكبر لديها مرتبطاً بأطفالها. فابنها الأكبر يبلغ 11 عاماً، وقد عاش جزءاً كبيراً من طفولته من دون تعليم منتظم. وتقول إن أبناءها حُرموا من المدرسة ومن بيئة اجتماعية طبيعية، وإن سنوات المخيم تركت أثراً واضحاً على قدرتهم على التأقلم مع المجتمع خارج أسواره.

وتشير إلى أن أطفالها لا يزالون يفتقدون الشعور بالألفة، وأنهم يجدون صعوبة في بناء علاقات جديدة وتقبّل حياة لم يألفوها من قبل.

وتربط أم عبد الرحمن هذه الصعوبة أيضاً بسنوات غاب فيها الأب والأخ والجد والعم عن حياة أطفالها، ما جعل انتقالهم إلى مجتمع أوسع تجربة شديدة الحساسية. وتقول إن وجود الناس من حولهم لا يعني بالضرورة وجود القرب الذي يحتاجه الطفل كي يشعر بالأمان.

وتتمنى أن يتمكن أطفالها من العودة إلى التعليم، وأن يعوضوا ما فاتهم خلال سنوات المخيم، وأن يجدوا مكانهم في المجتمع وتتراجع لديهم مشاعر العزلة وعدم الانتماء.

وبالنسبة إليها، فإن الخروج من المخيم لم يكن نهاية القصة، بل بداية مسار طويل يشمل الوثائق والتعليم والعمل والعلاج وإعادة بناء الروابط الاجتماعية.

وهي ترى أن مساعدة العائدين لا ينبغي أن تتوقف عند نقلهم من المخيمات، بل يجب أن تمتد إلى دعم اندماجهم في المجتمع.

وتختصر أمنيتها بقولها: «أتمنى أن يختار الله لنا أياماً أجمل، وأن نكمل هذا الطريق، وأن يعينني الله على تربية أطفالي، وألا أحتاج إلى أحد».

وفي بلدة حزوان، حيث تحاول الأسرة إعادة ترتيب حياتها، تبدو رحلة الاندماج أطول من مجرد العودة إلى المنزل. فبعد ست سنوات ونصف في الهول، لا تزال أم عبد الرحمن وأطفالها يحاولون بناء حياة جديدة خارج المخيم.