من مخيم الهول إلى مقاعد الدراسة.. أريام تتحدى سنوات الانقطاع وتبدأ من جديد

حجم الخط

لم تكن مغادرة مخيم الهول نهاية رحلة أ.ج، البالغة من العمر 17 عاماً، بل بداية لمرحلة جديدة من التحديات.

فبعد أربعة أعوام قضتها مع أسرتها في المخيم الواقع بريف الحسكة، عادت أ.ج إلى منطقتها حاملةً رغبة في استعادة ما فقدته خلال سنوات النزوح، وفي مقدمة ذلك حقها في التعليم. غير أن طريق العودة لم يكن سهلاً؛ إذ وجدت أسرتها نفسها أمام سلسلة من الصعوبات، بدءاً من فقدان الوثائق الرسمية وغياب مصدر ثابت للدخل، وصولاً إلى تحديات الاندماج مجدداً في المجتمع.

العودة إلى المنطقة.. بداية جديدة بتحديات قديمة

تروي أ.ج لـ”سوريا 24” أن عائلتها تمكنت من مغادرة مخيم الهول والعودة إلى منطقتها بعد حصولها على كفالة من عدد من شيوخ ووجهاء العشائر، لتنهي سنوات من الإقامة في المخيم، عاشت خلالها الأسرة ظروفاً إنسانية ومعيشية صعبة.

لكن الوصول إلى المنزل لم يكن يعني انتهاء المعاناة.

واجهت الأسرة، بعد عودتها، صعوبات في استكمال أوراقها الثبوتية بسبب فقدان بعض الوثائق خلال سنوات النزوح. كما فقدت والدة أ.ج هويتها الشخصية، بينما بقي دفتر العائلة في المنزل الذي كانت الأسرة تقيم فيه قبل النزوح.

وزادت وفاة والد أ.ج من الأعباء التي تحملتها الأسرة، إذ أصبحت والدتها المعيل الوحيد لأبنائها، واضطرت إلى البحث عن فرص عمل لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

كما وجدت العائلة، عند عودتها، أضراراً في المنزل الذي كانت تقيم فيه، قبل أن يبادر عدد من أبناء المنطقة ومتطوعين إلى مساعدتها في إصلاح جزء من الأضرار، ما ساعدها على بدء مرحلة أكثر استقراراً.

الدعم النفسي ومحاولة استعادة الحياة

لم تكن العودة إلى المجتمع سهلة بالنسبة إلى أ.ج بعد سنوات من العيش في المخيم.

تقول إنها شاركت في جلسات للدعم النفسي قدمتها جهات ومنظمات تعمل مع العائدين من مخيم الهول، من بينها منظمة “QRD”، وهي منظمة سورية محلية غير حكومية وغير ربحية تعمل في مجالات الدعم الإنساني والمجتمعي وإعادة الدمج.

كما التحقت، لمدة تقارب شهراً، بمشروع “كورنكريت”، ضمن أنشطة هدفت إلى دعم العائدين ومساعدتهم على التكيف مع حياتهم الجديدة.

وتقول أ.ج إن هذه المشاركة ساعدتها على تكوين صداقات جديدة والتخفيف من جزء من الضغوط التي رافقتها بعد العودة، في وقت شاركت والدتها أيضاً في مشروع لصناعة المنظفات، إلى جانب حضور عدد من جلسات الدعم النفسي.

وبالتدريج، بدأت الأسرة في استعادة بعض ملامح حياتها السابقة، رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال تواجهها.

العودة إلى المدرسة.. محاولة لاستعادة سنوات ضائعة

بعد سنوات من الانقطاع عن التعليم، اتخذت أ.ج قراراً بالعودة إلى المدرسة، بتشجيع من والدتها وصديقاتها.

كان القرار بالنسبة إليها أكثر من مجرد استئناف للدراسة؛ إذ مثّل محاولة لتعويض سنوات فقدتها بسبب النزوح والإقامة في مخيم الهول، واستعادة مسار تعليمي توقف في مرحلة مبكرة.

بدأت أ.ج دراستها من الصف السابع، ثم واصلت حتى الصف التاسع، الذي تقدمت إلى امتحاناته هذا العام. لكنها لم تتمكن من النجاح في المحاولة الأولى.

ورغم ذلك، لم تنظر إلى النتيجة بوصفها نهاية الطريق.

تقول إنها تعتزم إعادة الصف التاسع في العام المقبل، والاستفادة من الدورات التعليمية التي قد تساعدها على تحسين مستواها والاستعداد للامتحانات بصورة أفضل.

وتضيف: “سأدرس بجد حتى لا يضيع تعبي، وسأجعل عائلتي وصديقاتي فخورات بي”.

بالنسبة إلى أ.ج، أصبح التعليم جزءاً من معركة أوسع لاستعادة حياتها وبناء مستقبل مختلف، بعد سنوات تركت أثراً واضحاً على مسارها الدراسي.

نظرة المجتمع.. تحدٍّ آخر بعد العودة

لم تكن التحديات التي واجهتها أ.ج مقتصرة على التعليم أو الظروف المعيشية.

تقول إن بعض أفراد المجتمع ينظرون إلى العائدين من مخيم الهول بريبة، ويربطون إقامتهم في المخيم بأفكار تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو ما جعلها تشعر، في البداية، بالخوف والتردد تجاه العودة إلى المدرسة والاختلاط بالمجتمع.

غير أنها قررت، بدعم من والدتها وصديقاتها، ألا تسمح لهذه النظرة بأن تمنعها من استكمال تعليمها.

فبالنسبة إليها، لم تكن الإقامة في المخيم خياراً، كما أن العودة منه لا ينبغي أن تبقى وصمة ترافق الإنسان وتحدد مستقبله.

ومع الوقت، حاولت أ.ج تجاوز هذا الشعور، والبدء من جديد في محيط تعيد فيه بناء علاقاتها وخطواتها الدراسية وحياتها اليومية.

التعليم كخطوة نحو بداية جديدة

لا تختصر تجربة أريام في مغادرة مخيم الهول والعودة إلى المنزل.

فبعد العودة، بدأت الأسرة رحلة أخرى لا تقل صعوبة: استعادة الوثائق الرسمية، وتأمين مصدر للدخل، وإصلاح ما تضرر من المنزل، والتعامل مع الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها سنوات النزوح والمخيم.

وفي موازاة ذلك، تحاول أ.ج استعادة حقها في التعليم بعد سنوات طويلة من الانقطاع، واضعةً أمامها هدفاً واضحاً: مواصلة الدراسة وعدم الاستسلام للفشل في المحاولة الأولى.

تكشف قصتها أن العودة من مخيم الهول لا تنتهي عند مغادرة المخيم، بل تبدأ بعدها مرحلة طويلة ومعقدة من إعادة بناء الحياة.

فالعائدون لا يحتاجون إلى مكان يقيمون فيه فحسب، بل إلى أوراق ثبوتية تضمن حقوقهم، وفرص عمل تساعدهم على الاستقرار، ودعم نفسي واجتماعي، وفرص تعليم تتيح للأطفال واليافعين تعويض ما فاتهم، إلى جانب بيئة مجتمعية تساعدهم على الاندماج بعيداً عن الوصم والشكوك.

وبالنسبة إلى أ.ج، تبدو العودة إلى مقاعد الدراسة خطوة أولى في طريق طويل.

طريق تحاول من خلاله تعويض ما فاتها، وتحويل سنوات الانقطاع والخسارة إلى دافع للاستمرار، أملاً في أن يكون المستقبل مختلفاً عن السنوات التي سبقت عودتها.