دخل قرار الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا «دولة راعية للإرهاب» حيز التنفيذ في 24 آب/أغسطس، منهياً عقوداً من الإدراج الذي شكّل أحد أبرز عوائق انخراط دمشق في النظامين السياسي والاقتصادي الدوليين.
وجاء القرار بعد استكمال الإجراءات القانونية ومراجعة الكونغرس، في خطوة تمثل تحولاً في مسار العلاقات الأميركية-السورية، وتفتح أمام دمشق آفاقاً أوسع للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي مع واشنطن والمجتمع الدولي.
ورحبت دمشق بالقرار، معتبرة أنه تحول مهم يفتح صفحة جديدة في علاقاتها الدولية، فيما وصفه مسؤولون سوريون بأنه خطوة باتجاه إعادة البلاد إلى موقعها في المنظومة الدولية والاقتصادية.
تحول في موقع سوريا الدولي
يرى الباحث في الشؤون الدولية وقضايا الأمن، عزيز موسى، أن أهمية القرار تتجاوز الجانب القانوني، إذ يعكس تغيراً في النظرة إلى سوريا وموقعها بعد سنوات طويلة من العزلة والقيود.
وقال موسى لـ«سوريا 24» إن رفع التصنيف يمثل «اعترافاً حقيقياً» بتراجع المخاطر التي ارتبطت بسوريا في مراحل سابقة، ويفتح المجال أمام انفتاح دولي وإقليمي أكثر مباشرة، بعدما شكّل هذا التصنيف عائقاً أمام تعامل الحكومات والمؤسسات مع دمشق.
ويضع موسى القرار في سياق مسار التقارب الأميركي-السوري الذي تسارع خلال الفترة الماضية، معتبراً أنه يمنح الحكومة السورية فرصة لترسيخ الاستقرار وإعادة بناء علاقاتها الخارجية، كما يبعث برسالة إلى الحلفاء والمستثمرين بأن واشنطن باتت تتعامل مع دمشق وفق مقاربة مختلفة عن مرحلة العزلة السابقة.
لكنه يشدد على أن هذا المسار سيبقى مرتبطاً بسلوك الحكومة السورية خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في ملفات الاستقرار والانتقال السياسي وتنفيذ التفاهمات المتعلقة بإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية.
تعاون أمني يتجاوز الحدود
على المستوى الأمني، يتيح رفع التصنيف، بحسب موسى، مساحة أوسع للتنسيق المباشر بين المؤسسات السورية ونظيراتها الإقليمية والدولية، في ظل استمرار التهديدات التي تفرضها التنظيمات المتطرفة في المنطقة.
ويرى أن ملف مكافحة تنظيم «داعش» يمثل أحد أبرز مجالات التعاون المحتملة، خصوصاً مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد التنظيم في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، في تحول نقل دمشق من موقع العزلة عن منظومة مكافحة الإرهاب إلى موقع الشريك فيها.
ويمكن، وفق موسى، أن يتوسع التعاون ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وملاحقة مصادر تمويل التنظيمات المتطرفة، وتعقب حركة المقاتلين الأجانب، وضبط الحدود، إلى جانب تنسيق أوسع مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول المنطقة.
كما يشمل ذلك التعامل مع ملف المعتقلين والمخيمات المرتبطة بـ«داعش»، بالتوازي مع الجهود السورية لملاحقة الخلايا النشطة ومنع استخدام الأراضي السورية ممراً للأسلحة أو الأموال المرتبطة بالتنظيمات المسلحة.
انفتاح على التعاون العسكري
ولا يستبعد موسى أن يمتد أثر القرار إلى عملية إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، من خلال الاستفادة من الخبرات الدولية وبرامج إعادة الهيكلة والتأهيل والدمج.
ويرى أن أي تعاون مستقبلي في بناء قدرات القوات السورية سيكون مرتبطاً بمعايير تتعلق بالمهنية والشمولية، ما يضع الحكومة أمام اختبار بناء مؤسسة عسكرية وأمنية مركزية تعمل ضمن قواعد مؤسساتية واضحة.
وفي هذا الإطار، تبرز إمكانية إعادة تأهيل ودمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، بما في ذلك التشكيلات التي كانت تعمل خارج البنية العسكرية المركزية، إذ سيشكل نجاح هذه العملية أحد مؤشرات قدرة الدولة على ترسيخ الاستقرار واحتكار السلاح.
نافذة اقتصادية جديدة
اقتصادياً، ترى الباحثة في الشأن السياسي والاقتصادي، حنان خليف، أن دخول القرار حيز التنفيذ يمثل «نقطة تحول مفصلية» في مسار خروج سوريا من العزلة المالية والاقتصادية.
وتقول خليف لـ«سوريا 24» إن أحد أبرز الآثار المحتملة يتمثل في الحد من حالة «الامتثال المفرط» التي دفعت مصارف وشركات عالمية إلى تجنب التعامل مع سوريا خشية الملاحقات أو العقوبات والغرامات، ما أدى إلى تعقيد المعاملات المالية وارتفاع كلفتها.
ومن شأن إزالة هذا العائق، بحسب خليف، أن تسهّل التحويلات والمعاملات المالية والتجارية، وتخفض تكاليف الشحن والتأمين وعلاوات المخاطر، كما تفتح المجال أمام وصول التكنولوجيا وقطع الغيار اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية، خصوصاً في قطاعي الطاقة والكهرباء.
وتضيف أن القرار قد يهيئ ظروفاً أفضل لجذب التمويل من المؤسسات المالية الدولية وصناديق التنمية الإقليمية، وتشجيع المستثمرين على دراسة فرص الدخول إلى السوق السورية.
لكن خليف تؤكد أن الاستفادة من هذه الفرص تبقى مرتبطة بقدرة الحكومة السورية على تنفيذ إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، وتوفير بيئة تنظيمية مستقرة تساعد على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
اختبار المرحلة المقبلة
ورحب الرئيس السوري أحمد الشرع بالقرار، معتبراً أن سوريا «تمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم» وتتجه نحو «فضاء التنمية والإعمار والبناء».
ويعكس القرار تحولاً في مسار العلاقة بين واشنطن ودمشق، التي تنتقل من مرحلة المواجهة والعزلة إلى مسار جديد يقوم على الانخراط المشروط والتعاون في ملفات سياسية وأمنية واقتصادية.
وبينما يفتح رفع التصنيف آفاقاً واسعة أمام دمشق، يبقى الاختبار الأساسي في قدرتها على تحويل هذا الانفتاح إلى مكاسب عملية ومستدامة، عبر بناء مؤسسات أكثر استقراراً، وتعزيز التعاون الأمني، وتهيئة بيئة اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمار ودفع التعافي وإعادة الإعمار.