تغيّرت آليات إنجاز المعاملات القانونية في سوريا خلال المرحلة الجديدة على مستوى التطبيق والإجراءات، في ظل استمرار العمل بالتشريعات والقوانين النافذة، بانتظار بدء عملية إصلاح قانوني شاملة.
وبينما تتفاوت تجارب المواطنين بين تحسن ملحوظ واستمرار الروتين، تبقى مكافحة الرشوة وتوحيد الإجراءات من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات القانونية والقضائية.
الروتين لا يزال حاضراً
تروي أم أحمد لـ«سوريا 24» تجربتها مع إنجاز معاملة حصر إرث، التي استغرقت أكثر من شهر ونصف، رغم أن الإجراءات المطلوبة كانت واضحة في بدايتها.
وتقول إن الصعوبة لم تكن في طبيعة المعاملة، بقدر ما تمثلت في تعدد الخطوات الإدارية والمراجعات المطلوبة، والتنقل بين دوائر ومديريات مختلفة لاستكمال الوثائق والحصول على التواقيع اللازمة.
وبحسب أم أحمد، فإن غياب مسار إداري موحد وواضح أسهم في إطالة مدة إنجاز المعاملة، إذ تطلب الحصول على كل وثيقة مراجعة جهة منفصلة، ما أدى إلى استهلاك وقت وجهد كبيرين.
وتضيف أنها اضطرت، خلال بعض مراحل المعاملة، إلى دفع مبالغ مالية خارج الرسوم الرسمية بهدف تسريع الإجراءات، معتبرة أن هذه الممارسة لم تختفِ بشكل كامل.
وتشير إلى أن الاختلاف مقارنة بالسابق، وفق تجربتها، تمثل في قيمة تلك المبالغ وطريقة دفعها، إذ كانت تُطلب سابقاً بالعملة المحلية، بينما واجهت خلال معاملتها الحالية طلب مبالغ بالدولار.
كما لفتت إلى تفاوت مستوى الخبرة بين بعض الموظفين واختلاف تفسير الإجراءات من موظف إلى آخر، ما جعل بعض مراحل المعاملة أكثر تعقيداً.
وأكدت أم أحمد أن تجربتها تقتصر على معاملة حصر الإرث، ولا يمكن تعميمها على واقع جميع المؤسسات أو المعاملات القانونية.
تجربة أسرع في تثبيت عقد إيجار
في المقابل، تحدث كريم لـ«سوريا 24» عن تجربة مختلفة مع تثبيت عقد إيجار منزل، إذ قال إن الإجراءات كانت واضحة، ولم يواجه صعوبة في معرفة الوثائق المطلوبة أو استكمالها.
وأوضح أن إنجاز المعاملة استغرق بين ثلاث وأربع ساعات، كان معظمها في انتظار الدور، وليس نتيجة تعقيدات قانونية أو نقص في الوثائق.
وأضاف أنه لم يضطر إلى دفع أي مبالغ خارج الرسوم الرسمية أو الاستعانة بوساطة لتسريع معاملته، مؤكداً أن الإجراءات سارت ضمن المسار النظامي حتى اكتمالها.
ويرى كريم أن تجربته الحالية كانت أفضل مقارنة بما كان سائداً في السابق، مشيراً إلى أن تجاوز الدور أو تدخل بعض الأشخاص بحجة امتلاكهم رتباً عسكرية أو نفوذاً كان ظاهرة أكثر حضوراً في الماضي.
وأكد أن تجربته تظل فردية، لكنها تعكس، من وجهة نظره، تحسناً في طريقة إنجاز المعاملات وآلية التعامل معها.
تغيّر في تطبيق القانون
من جانبه، قال رغيد دياب، عضو مجلس نقابة المحامين المركزية في الجمهورية العربية السورية، لـ«سوريا 24»، إنه لم يمارس العمل القانوني في مناطق سيطرة النظام البائد، إذ كان موجوداً في المناطق المحررة في إدلب ويعمل ضمن الإطار القانوني لحكومة الإنقاذ.
وأضاف أنه اطلع لاحقاً، من خلال عمله في نقابة المحامين، على آليات العمل السابقة، معتبراً أن جانباً كبيراً من المعاملات القانونية في عهد النظام البائد كان يتأثر بالرشوة والمحسوبيات، وأن تطبيق القانون كان محدوداً في كثير من الحالات.
وأوضح أن التغيير الحالي جاء نتيجة جهود وزارة العدل ونقابة المحامين، ويتمثل بصورة أساسية في السعي إلى تطبيق القوانين القائمة، ومكافحة الرشوة والمحسوبيات، وضمان وصول المواطنين إلى حقوقهم عبر المسار القانوني.
وأضاف أن الهدف يتمثل في أن يلتزم القاضي بتطبيق القانون، وأن يتمكن المحامي من الدفاع عن حقوق موكله ضمن الإجراءات القانونية السليمة.
التشريعات بانتظار الإصلاح
وفيما يتعلق بالقوانين النافذة، أكد دياب أن عملية تعديلها أو تحديثها لم تبدأ بعد، مشيراً إلى أن مجلس الشعب انعقد منذ فترة قصيرة، ولم تنطلق حتى الآن عملية شاملة لإصلاح التشريعات المعمول بها في المحاكم.
ولفت إلى أن التغيير الحالي يتركز في آلية تطبيق القوانين القائمة، وليس في النصوص القانونية نفسها.
وأكد أن الرشوة «تم ضبطها بنسبة كبيرة جداً»، معتبراً ذلك من أبرز التحولات التي شهدتها آلية العمل في المرحلة الحالية.
محاولات مستمرة لتجاوز القانون
ورغم ذلك، أشار دياب إلى استمرار بعض محاولات تجاوز القانون، موضحاً أن الجهات المعنية تتابع هذه الحالات، إذ تتولى وزارة العدل والتفتيش القضائي متابعة التجاوزات المرتبطة بالقضاة والمؤسسات القضائية، بينما تتولى نقابة المحامين متابعة المخالفات المتعلقة بالمحامين.
وأكد أن النقابة تسعى إلى ترسيخ تطبيق فعلي للقانون «من دون استثناءات».
بين تحسن التطبيق وإصلاح التشريعات
تعكس تجارب المواطنين تفاوتاً واضحاً في واقع المعاملات القانونية، بين من لا يزال يواجه الروتين وتعدد الجهات والممارسات غير الرسمية، ومن يلمس تحسناً في سرعة الإجراءات ووضوحها.
وفي وقت ترى فيه الجهات القانونية أن مكافحة الرشوة وتحسين تطبيق القوانين حققا تقدماً، يبقى إصلاح التشريعات وتحديثها وتوحيد الإجراءات الإدارية من أبرز الملفات المنتظرة، بما يحدد مدى قدرة المرحلة الجديدة على إحداث تغيير ملموس في علاقة السوريين بالمؤسسات القانونية والقضائية.