من نادٍ متواضع بدأت منه الخطوات الأولى، إلى منصة عالمية في جنوب أفريقيا، قطع اللاعب محمد صفوامار خلال سنوات قليلة مسافة كبيرة في رياضة القوة البدنية، انتهت بتتويجه بطلًا للعالم لفئة الشباب، ليصبح، بحسب روايته ومدربه، أول لاعب سوري شاب يحقق هذا اللقب ويمثل سوريا في بطولة العالم ضمن هذه الفئة.
شارك صفوامار في بطولة العالم بجنوب أفريقيا، ضمن منافسات جمعت لاعبين من نحو 70 دولة، ونجح في إحراز ذهبيات الرفعات والمجموع العام، ليصعد إلى منصة التتويج ويُعزف النشيد العربي السوري في واحدة من أبرز محطات مسيرته الرياضية.
يقول صفوامار إن تلك اللحظة كانت بالنسبة إليه أكثر من مجرد تتويج رياضي: «شعور كتير كبير بالنسبة إلي، حلم كبير وتحقق. أنا بفتخر إنه هذا الشي صار عن طريقي، لأنه أنا أول سوري بحقق بطولة العالم لفئة الشباب».
ويضيف: «كنت حامل اسم سوريا وشعب سوريا كله على كتافي»، في تعبير عن حجم المسؤولية التي شعر بها وهو يمثل بلده في البطولة الدولية.
البداية.. حلم ولد في النادي
تعود علاقة محمد صفوامار برياضة القوة البدنية إلى سنوات مراهقته الأولى، حين كان يتردد إلى النادي الذي كان يتدرب فيه البطل العالمي والمدرب علي قبنض، الذي كان يمارس كمال الأجسام آنذاك.
يستعيد قبنض تلك الفترة، قائلًا إن محمد كان صغيرًا عندما بدأ يزور النادي، وكان ينظر إليه بإعجاب بسبب بنيته الجسدية وطريقة وقوفه وتدريبه، ويخبره بأنه يريد أن يصبح مثله.
يقول قبنض إن محمد كان يردد له: «خالو بدي أصير متلك»، لكنه كان يجيبه بأن عليه الانتظار لأنه لا يزال صغيرًا. ومع بلوغه نحو 13 عامًا، بدأ محمد يدخل عالم القوة البدنية بشكل جدي، وأصبح يتردد بصورة أكبر إلى النادي ويشارك في التدريبات.
ويشير قبنض إلى أن ما لفت انتباهه منذ البداية لم يكن القوة الجسدية فقط، بل إصرار محمد على التدريب ورغبته المبكرة في خوض المنافسات، وهو ما ظهر بوضوح عندما قرر المشاركة في أولى بطولاته.
أول اختبار.. بطولة العرب
في عام 2023، كانت أمام محمد فرصة المشاركة في بطولة العرب، إلا أن صغر سنه جعل مشاركته موضع تردد. لكن اللاعب الشاب، بحسب قبنض، كان مصممًا على خوض التجربة.
ويقول المدرب: «ما شفته إلا محضر حاله، قال لي: خالو بدي أطلع على بطولة العرب. قلت له يا محمد إنت صغير، قال لي: أنا بدي أطلع».
وافق قبنض في النهاية، وتكفّل بمحمد بسبب صغر سنه، ورافقه إلى البطولة. وكانت التوقعات محدودة، إذ لم يكن من السهل تصور أن ينافس لاعب في هذا العمر على المراكز الأولى.
لكن محمد فاجأ مدربه ومن حوله بحصوله على المركز الثاني. يقول قبنض إن محمد عاد من البطولة سعيدًا جدًا، وكانت تلك النتيجة بمثابة نقطة تحول، ليس فقط في مسيرته الرياضية، وإنما في نظرته إلى قدرته على المنافسة خارج سوريا.
بطولة العالم تصبح هدفًا
لم يتوقف طموح محمد عند بطولة العرب. ففي العام التالي، وبينما كان قبنض يستعد للمشاركة في بطولة العالم، طلب منه محمد أن يصطحبه معه.
يقول قبنض إن رده كان في البداية أن محمد لا يزال صغيرًا على بطولة بهذا الحجم، لكن اللاعب أصر على المشاركة، فيما شارك قبنض في بطولة العالم عام 2024 وحقق اللقب.
ويرى المدرب أن تلك المرحلة كانت بداية ترسخ فكرة العالمية لدى محمد، إذ أصبح لقب بطولة العالم هدفًا واضحًا أمامه، وبدأ يعمل على تطوير مستواه وأوزانه للوصول إليه.
وبالتوازي مع ذلك، أخذت أرقامه بالارتفاع تدريجيًا، من مستويات المنافسة المحلية إلى البطولات الإقليمية والدولية.
من بطل غرب آسيا إلى بطل العالم
في عام 2025، شارك صفوامار في بطولة غرب آسيا، وتمكن من تحقيق لقب بطل الأبطال، إلى جانب حصوله على لقب أفضل لاعب في البطولة في قطر، بحسب قبنض.
وكان اللاعب يستعد في العام ذاته لخوض بطولة العالم، لكن مشاركته تعثرت بسبب عدم تمكنه من الحصول على التأشيرة، مع إقامة البطولة في الولايات المتحدة.
لم يتخلَّ محمد عن هدفه، فعاد إلى التدريبات والتحضير للبطولة التالية، حتى جاءت فرصة المشاركة في بطولة العالم بجنوب أفريقيا هذا العام.
ويقول قبنض إن محمد دخل البطولة بعدما قطع مراحل طويلة من التطور، ونجح في تحقيق ما وصفه بأنه إنجاز غير مسبوق بالنسبة للاعب سوري في فئة الشباب.
أرقام ثقيلة وطموح أكبر
خلال مشاركته العالمية، نافس صفوامار ضمن مجموعة من اللاعبين، انسحب بعضهم من المنافسة، فيما فشل آخرون في بعض محاولاتهم، ليتمكن اللاعب السوري من تحقيق أفضلية واضحة والوصول إلى الذهب.
وحاول خلال البطولة تحقيق أوزان وصلت إلى نحو 400 كيلوغرام في السكوات، و265 كيلوغرامًا في رفعة الصدر، و300 كيلوغرام في الرفعة الثالثة.
ويقول صفوامار إنه كان يطمح أيضًا إلى الاقتراب من لقب بطل الأبطال في البطولة، وكان بإمكانه المنافسة عليه بصورة أكبر لو نجحت معه جميع الرفعات التي حاول تنفيذها.
لكن الوصول إلى البطولة لم يكن سهلًا، إذ استغرقت رحلة السفر نحو 27 ساعة، وهو ما انعكس على حالته البدنية والنفسية، إضافة إلى الضغوط التي رافقت المشاركة.
ومع ذلك، تمكن من الفوز ضمن مجموعته، وحصد لقب العالم لفئة الشباب.
«قوة إرادة غريبة»
بالنسبة إلى علي قبنض، فإن تفسير وصول محمد إلى هذه المرحلة لا يرتبط بالقوة البدنية وحدها.
يصف مدربه إرادة محمد بأنها العامل الأبرز في مسيرته، مستذكرًا ظروفًا عاشها اللاعب في سن مبكرة، حين كان يبلغ نحو 15 عامًا ويقيم ويعمل في لبنان.
يقول قبنض إن محمد، رغم ظروفه، كان يصر على العودة إلى حلب عندما تكون هناك بطولة أو تدريبات، وكان يتحمل مشقة السفر والتنقل للوصول إلى النادي والمشاركة في المنافسات.
ويشير إلى أن محمد لم يكن يتعامل مع صعوبة الوصول إلى التدريبات باعتبارها سببًا للتراجع، بل كان يبحث عن أي طريقة تتيح له الاستمرار، حتى إنه كان يقطع مسافات سيرًا على الأقدام للوصول إلى النادي.
ويقول قبنض إن هذا الأمر كان يلفت انتباهه باستمرار، مضيفًا أن لاعبًا يريد المشاركة في بطولة جمهورية قد يجد صعوبة في تأمين وسائل النقل أو التدريب، لكن محمد كان يذهب ويعود رغم كل الظروف.
ويرى أن هذا الإصرار هو الذي صنع الفارق، إلى جانب القوة البدنية والتطور الفني، ويختصر شخصية لاعبه بالقول إنه يمتلك «قوة إرادة وإصرارًا» غير اعتياديين بالنسبة إلى عمره.
دعم جاء في الوقت الأخير
من جهته، يشير صفوامار إلى أن الإمكانيات المحدودة كانت من أبرز الصعوبات التي واجهته في بداية مسيرته، لكنه تلقى خلال الشهرين الأخيرين قبل بطولة العالم دعمًا ساعده على الاستعداد بشكل أفضل.
ويذكر دعم وزارة الرياضة والشباب والاتحاد العربي السوري للقوى البدنية، إضافة إلى إقامة معسكر تدريبي خلال الشهر الأخير، كما يوجه شكره إلى نادي شرطة حلب.
ويرى اللاعب أن هذا الدعم كان مهمًا في مرحلة الاستعداد للبطولة، خصوصًا مع ارتفاع مستوى المنافسة وحاجته إلى التحضير البدني والنفسي والسفر إلى بطولة عالمية.
استقبال لم يتوقعه
بعد عودته إلى سوريا، انتقلت قصة الإنجاز من منصة التتويج إلى الشارع، حيث حظي صفوامار باستقبال وتكريم في دمشق، قبل أن يعود إلى حلب، مدينته وناديه.
يقول إن وزارة الرياضة والشباب استقبلته وكرمته في دمشق، وقدمت له درعًا باسمه، كما قدم له رئيس الاتحاد هدايا تذكارية.
لكن الاستقبال في حلب كان، بحسب وصفه، مختلفًا من حيث حجم الحضور الجماهيري.
ويقول صفوامار إن الجماهير احتشدت لاستقباله في دوار الأمل، بحضور نائب المحافظ ومسؤول الكتلة الخامسة، مؤكدًا أن حجم الاستقبال فاق توقعاته.
وبالنسبة إليه، لا يمثل هذا الاستقبال مجرد احتفال باللقب، بل دافعًا للاستمرار، خصوصًا بعد السنوات التي قضاها في التدريب والمنافسة.
ما بعد العالم.. تحطيم الأرقام
لا ينظر صفوامار إلى لقب العالم باعتباره نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة.
يقول إن هدفه المقبل هو تحطيم الأرقام العالمية، لكنه يربط تحقيق ذلك باستمرار الدعم وتوفير الإمكانيات اللازمة للتدريب والاستعداد للمنافسات الدولية.
وبين حلم طفل كان يقف في النادي وينظر إلى بطله الرياضي، وإصرار مراهق لم تمنعه قلة الإمكانيات ولا مشقة السفر من مواصلة التدريب، يقف محمد صفوامار اليوم على منصة العالم حاملًا ذهبية فئة الشباب.
إنجازٌ بدأ من رغبة بسيطة في أن يصبح مثل بطله، وانتهى بأن أصبح هو نفسه بطلًا يُنظر إليه من جيل أصغر ربما يردد يومًا الجملة ذاتها التي قالها قبل سنوات: «بدي أصير متلك».



