“الاقتصاد المجتمعي السوري”.. محاولة لتأسيس حقل اقتصادي جديد

حجم الخط

يطرح كتاب “الاقتصاد المجتمعي السوري”، الصادر عن دار الرؤية الجديدة، سؤالاً أساسياً مع انتقال سوريا نحو اقتصاد السوق: من يحمي الفقراء والأيتام وسكان المخيمات والفئات الأكثر هشاشة من آثار التحولات الاقتصادية الحادة؟

الكتاب، من تأليف الدكتور خالد تركاوي وبسام أبو عدنان وعبد العظيم المغربل، يحاول تقديم مقاربة تقلل كلفة الانتقال الاقتصادي على الفئات الضعيفة، وتبحث في دور المجتمع إلى جانب الدولة والسوق في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

ولا يقدم المؤلفون الكتاب بوصفه قراءة جديدة للاقتصاد السوري فحسب، بل باعتباره خطوة أولى نحو تأسيس حقل معرفي وأكاديمي جديد يطلقون عليه اسم “علم الاقتصاد المجتمعي السوري”.

وقال خالد تركاوي، أحد مؤلفي الكتاب، لسوريا 24 إن فكرة المشروع لم تبدأ بكتاب نظري، بل انطلقت من مجموعة دراسات وأوراق عمل وتوصيات أعدها المؤلفون لصناع القرار.

وأضاف أن العمل على تلك الأوراق كشف، مع الوقت، الحاجة إلى بناء إطار أوسع يجمع بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ويحوّل التوصيات المتفرقة إلى مشروع معرفي مستقل مرتبط بالحالة السورية.

وقال تركاوي إن “الفكرة بدأت من دراسات وتوصيات لصناع القرار، ثم تطورت إلى مشروع علم مستقل خاص بالحالة السورية”، موضحاً أن المؤلفين لا يدّعون أنهم وضعوا كل مكونات هذا الحقل، بل يحاولون رسم خطوطه الأولى وفتح الباب أمام باحثين آخرين لتطويره.

ويرى المؤلفون أن الاقتصاد المجتمعي يصبح أكثر أهمية خلال الأزمات ومراحل الانتقال السياسي والديمقراطي، حين تعاني مؤسسات الدولة من اختلالات تؤثر في الاقتصاد والتوازن العام.

وبعد سقوط النظام السوري أواخر عام 2024، برزت، بحسب الكتاب، أسئلة تتعلق بالتعافي وإعادة الإعمار، ودور الدولة، ومستقبل السوق، وموقع الفئات الضعيفة، ودور التعاونيات، إلى جانب العلاقة الاقتصادية بين الداخل السوري والمهجر.

ومن هنا، ينطلق الكتاب من فكرة أن التعافي السوري لن ينجح إذا بقي محصوراً بين الدولة والسوق، أو بين المساعدات والاستثمارات الكبرى.

بل يحتاج، وفق المؤلفين، إلى إدخال المجتمع نفسه بوصفه قوة اقتصادية منظمة وقادرة على الإنتاج والمشاركة في صياغة النموذج الاقتصادي الجديد.

ويحاول الكتاب، لذلك، إعادة تعريف دور الدولة والسوق والمجتمع ضمن معادلة واحدة، فهو لا يقلل من أهمية الدولة، لكنه يدعو إلى انتقال دورها من الضبط وحده إلى التمكين، كما لا يعادي السوق، بل يسعى إلى ربطه بالعدالة الاجتماعية والحد من آثاره السلبية على الفئات الأضعف.

وفي الوقت نفسه، لا يكتفي الكتاب بوصف معاناة السوريين، بل يحاول تحويل خبراتهم ومرونتهم وقدرتهم على التكيف خلال سنوات الحرب والأزمات إلى أدوات وسياسات وبرامج قابلة للبناء عليها.

ويضع المؤلفون مفهوم “أنسنة التعافي” في صلب المشروع، بمعنى تحويل قدرة السوريين على الصمود من محاولات فردية للبقاء إلى استراتيجية تنموية أوسع.

كما يسعى الكتاب إلى تحويل ما يسميه “الذاكرة الاقتصادية للمجتمع” من ممارسات وخبرات مبعثرة إلى معرفة قابلة للدراسة والتطوير.

وبذلك، ينتقل المجتمع، وفق هذه الرؤية، من موقع المتلقي للقرارات والمعونات إلى موقع الشريك في تحديد الأولويات وصياغة النموذج الاقتصادي المقبل.

ويرى المؤلفون أن المجتمع السوري، رغم حجم ما تعرض له خلال السنوات الماضية، لم يكن مجرد ضحية للأزمة، بل كان أيضاً أحد أهم أسباب استمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يحاول “الاقتصاد المجتمعي السوري” إعادة قراءة الماضي بعيون سورية، والاستفادة من تجارب الناس ومرونتهم لصياغة استراتيجية تنموية أكثر عدالة في ظل تحولات سياسية واقتصادية متسارعة.

ويتمثل الهدف النهائي للكتاب في بناء نموذج يوازن بين كفاءة السوق والعدالة الاجتماعية، ويحد من كلفة الانتقال الاقتصادي على الفئات الأضعف، مع تعزيز دور المجتمع كشريك في التعافي وإعادة الإعمار.

وبحسب تركاوي، فإن المشروع لا يسعى إلى تقديم وصفة مكتملة للاقتصاد السوري، بل إلى فتح مسار بحثي جديد يمكن البناء عليه أكاديمياً وسياساتياً في السنوات المقبلة.