على الرغم من تراجع قدرة تنظيم داعش على العمل مقارنة بمرحلة سيطرته على مساحات واسعة من سوريا، أظهر نشاطه خلال عام 2026 استمرار قدرته على الاحتفاظ بخلايا صغيرة وتنفيذ هجمات متفرقة، بالتزامن مع تكثيف الأجهزة الأمنية السورية عمليات ملاحقة وتفكيك الخلايا.
وخلال الأشهر الأخيرة، امتدت العمليات المرتبطة بالتنظيم، وفق بيانات السلطات السورية، من الرقة ودير الزور والبادية إلى دمشق وحلب ودرعا، مع تركيز أمني على الاعتقالات الاستباقية وملاحقة الخلايا ومصادرة الأسلحة والمواد المتفجرة.
ويختلف شكل نشاط داعش حالياً عن مرحلة السيطرة الميدانية وإدارة الأراضي، إذ يعتمد بدرجة أكبر على خلايا محدودة العدد تنفذ عمليات اغتيال وخطف وزرع عبوات ناسفة، مستفيدة من المساحات المفتوحة والثغرات الأمنية في بعض المناطق.
وفي 27 أيلول، أعلنت قوى الأمن الداخلي، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، تفكيك خلية قالت إنها تابعة لداعش، بدأ نشاطها من محافظة الرقة وامتد إلى حلب وإدلب وحمص. وقالت إن العملية أسفرت عن توقيف أربعة من متزعمي الخلية في الرقة، إلى جانب عدد من عناصرها في المحافظات الثلاث، وضبط مواد متفجرة وأسلحة وذخائر.
وبحسب الرواية الأمنية، أظهرت التحقيقات الأولية تورط أفراد الخلية في خمس عمليات خطف والتخطيط لتنفيذ عمليات اغتيال وزرع عبوات ناسفة، فيما تستمر التحقيقات تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء.
وتعكس هذه العملية نمطاً مختلفاً عن الخلايا المحلية المحصورة في منطقة واحدة، إذ امتد نشاط المجموعة عبر أربع محافظات، ما يفرض على الأجهزة الأمنية تتبع تحركات الأفراد وشبكات التواصل والنقل والتمويل بين مناطق متباعدة.
كان تطور الأحداث في مدينة الصنمين بريف درعا الشمالي في أيلول من أبرز التطورات الأمنية المرتبطة بالتنظيم خارج مناطق نشاطه التقليدية.
وفي 17 أيلول، توجهت قوة من قوى الأمن الداخلي إلى المدينة لتنفيذ مهمة لتوقيف أحد المطلوبين، قبل أن تتعرض لإطلاق نار، وفق الرواية الرسمية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر الأمن وإصابة آخرين.
وعقب الاشتباكات، فرضت قوى الأمن طوقاً على المنطقة وبدأت عمليات ملاحقة وتوقيف، فيما أعلنت وزارة الداخلية لاحقاً أن المجموعة المسلحة التي اشتبكت مع القوات الأمنية مرتبطة بتنظيم داعش.
وأعلنت السلطات ضبط أسلحة وذخائر وعبوات ناسفة ومعدات تُستخدم في تصنيع المتفجرات، فيما قالت مصادر أمنية إن التحقيقات حددت عدداً من المتورطين، بينهم محسن الهيمد وأحمد العثمان المعروف باسم “الكشكي”.
وفي اليوم التالي للعملية، أعلنت الجهات الأمنية توقيف عدد من المطلوبين ومواصلة ملاحقة بقية أفراد الخلية.
وتختلف دلالة الصنمين عن الهجمات التي شهدتها البادية وشمال شرقي سوريا، إذ لا تشير المعطيات الرسمية إلى سيطرة التنظيم على منطقة أو امتلاكه تشكيلاً عسكرياً واسعاً، وإنما إلى خلية مرتبطة به تعمل ضمن بيئة محلية مسلحة.
ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي أن قراءة نشاط داعش في سوريا خلال المرحلة الحالية تتطلب التمييز بين استمرار قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات وبين امتلاكه القدرات البشرية والتنظيمية التي كانت لديه خلال سنوات تمدده.
ويقول عاصي لسوريا بلس إن نشاط التنظيم يشهد تراجعاً مقارنة بالمراحل السابقة، لكنه يشير إلى أن فترة الخمول العملياتي لم تمنع داعش من محاولة إعادة إحياء شبكاته وخلاياه، خصوصاً في شمال شرقي سوريا.
وبحسب الباحث، فإن إعادة تشكيل الخلايا لا تعني بالضرورة أن التنظيم استعاد قدرته السابقة، لكنها قد تشير إلى محاولة لإعادة بناء هيكله التنظيمي والعملياتي وتعبئة قدراته تدريجياً.
وتكتسب هذه القراءة أهمية مع ظهور خلايا مرتبطة بالتنظيم في مناطق جغرافية متباعدة، من دمشق وحلب إلى دير الزور ودرعا، إضافة إلى الخلية التي امتد نشاطها إلى أربع محافظات.
ويشير عاصي إلى أن داعش يستفيد من الفراغات الأمنية، خصوصاً في مناطق شمال شرقي سوريا، لكنه لا يستبعد استغلال فراغات مماثلة في مناطق أخرى، ومنها الجنوب السوري.
ويضيف أن طبيعة التحديات الأمنية تختلف من منطقة إلى أخرى، وأن تعدد هذه التحديات قد يوفر للتنظيم مساحات تساعده على إعادة ترتيب صفوفه وإحياء بعض هياكله.
وتظهر العمليات الأمنية الأخيرة بعداً آخر في نشاط داعش، يتمثل في قدرة بعض الخلايا على التحرك بين مناطق مختلفة.
وفي حالة الخلية التي أُعلن تفكيكها في 27 أيلول، امتد النشاط من الرقة إلى حلب وإدلب وحمص، بحسب قوى الأمن الداخلي، التي قالت إنها تمكنت من توقيف عدد من قادة الخلية وعناصرها في المحافظات الأربع وضبط مواد متفجرة كانت معدة لتنفيذ هجمات.
ويجعل هذا النمط من الخلايا ملاحقتها أكثر تعقيداً من التعامل مع مجموعات محلية محدودة جغرافياً، إذ يتطلب جمع المعلومات بين مناطق مختلفة وتعقب مسارات الحركة والتواصل.
ولم يقتصر نشاط الخلايا المرتبطة بداعش على المناطق الصحراوية أو الريفية.
ففي دمشق، أعلنت وزارة الداخلية في تموز توقيف خلية قالت إنها مرتبطة بالتنظيم، عقب تفجيرات وقعت بالقرب من وزارة السياحة، في وقت تحدثت فيه الوزارة عن تعزيز العمل الوقائي والاستباقي لمنع تنفيذ هجمات جديدة.
وفي حلب، أعلنت وزارة الداخلية في الشهر نفسه تفكيك خليتين، وقالت إن إحداهما ارتبطت بعمليات اغتيال ومحاولات لاستهداف مسؤولين ومنشآت حكومية، بينما كانت الأخرى تستعد لتنفيذ هجمات.
وتشير هذه العمليات، وفق الرواية الأمنية الرسمية، إلى أن نشاط الخلايا لا يقتصر على البادية والمناطق النائية، وإنما يمكن أن يصل إلى المدن ومراكز المؤسسات الحكومية.
ويتزامن النشاط الأمني السوري مع استمرار عمليات الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضد داعش.
وفي حزيران، أعلنت القيادة المركزية الأميركية مقتل قيادي في داعش بضربة جوية في شمال غربي سوريا، مؤكدة استمرار عمليات ملاحقة قيادات التنظيم.
ولا يتعلق السؤال فقط بعدد الهجمات التي ينفذها داعش، وإنما بما إذا كانت هذه العمليات تمثل بداية انتقال من تراجع النشاط إلى تحرك أوسع.
ولا تعني عودة النشاط بالضرورة استعادة التنظيم لنفوذه السابق، لكنها قد تشير إلى محاولات لإعادة بناء الشبكات والقدرات العملياتية، خصوصاً إذا تمكنت الخلايا من الحفاظ على قنوات اتصال وحركة بين مناطق مختلفة.
وفي حال اتسع هذا النشاط، ستواجه الحكومة السورية تحديات إضافية على مستوى حماية الطرق والمنشآت والقوات، إلى جانب الموارد المطلوبة لملاحقة الخلايا ومنع إعادة تشكيلها.
وتبرز هنا أهمية الانتقال من الاستجابة للهجمات إلى تفكيك الخلايا قبل تنفيذ عمليات جديدة، وهو ما ظهر في سلسلة الاعتقالات التي أعلنتها الجهات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة.
وتكشف تطورات عام 2026 عن تغير في شكل نشاط داعش داخل سوريا. فالتنظيم لم يعد يمتلك، وفق المعطيات المتاحة، نموذج السيطرة الإقليمية الذي ميّز مرحلة تمدده السابقة، لكنه لا يزال قادراً على العمل من خلال خلايا صغيرة وتنفيذ عمليات محدودة ومحاولة إعادة تشكيل شبكات في بيئات أمنية مختلفة.
وتقدم عمليتا الصنمين والخلية التي امتد نشاطها إلى أربع محافظات مثالين على هذا التحدي: الأولى أظهرت وجود خلية قالت السلطات إنها مرتبطة بداعش في الجنوب، والثانية كشفت عن شبكة تحركت بين الرقة وحلب وإدلب وحمص.
وبحسب قراءة عاصي، فإن أحد مصادر الخطر يتمثل في استغلال التنظيم للفراغات الأمنية وتعدد التحديات المحلية لإعادة بناء قدراته تدريجياً.
وبذلك، تتركز المواجهة الحالية مع داعش على منع خلاياه من التحول إلى شبكات أكثر ترابطاً وقدرة على تنفيذ عمليات متكررة، بالتوازي مع استمرار العمليات الأمنية السورية والجهود الدولية لملاحقة قياداته وعناصره.