بدأت الحكومة السورية إجراءات لضبط وترشيد الإنفاق العام، تشمل خفض نفقات تشغيلية ووقف شراء السيارات الإدارية ومراجعة المشاريع الاستثمارية، في وقت سجلت فيه المالية العامة فجوة تقارب مليار دولار بين الإيرادات والنفقات خلال النصف الأول من 2026.
لكن الحكومة لم تحدد حتى الآن قيمة أو نسبة إجمالية للوفورات التي تستهدف تحقيقها، ما يترك الأثر المالي للإجراءات مرتبطاً بنتائج التنفيذ وحجم التخفيض الفعلي في الجهات العامة.
وكانت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية أقرت الإجراءات في 28 أيلول/سبتمبر، بناء على مقترح وزارة المالية، بهدف ضبط النفقات وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
وتشمل خفض مخصصات البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30%، مع استثناءات لبعض الاستخدامات الأساسية والطارئة، إلى جانب وقف شراء أو استبدال السيارات الإدارية إلا عند الضرورة.
كما تتضمن تقليص نفقات السفر والمؤتمرات والضيافة والقرطاسية والاتصالات غير الضرورية، وتأجيل الصيانة غير العاجلة، وعدم استئجار مقار جديدة عند توفر بدائل حكومية.
وفي المقابل، استثنى البلاغ الرواتب والأجور والنفقات الضرورية في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إضافة إلى أعمال الصيانة الضرورية.
أما المشاريع الاستثمارية، فتخضع للمراجعة وفق درجة ضرورتها ونسبة إنجازها والتزاماتها وجدواها المالية والاقتصادية والخدمية، مع إعطاء الأولوية للخدمات الأساسية والبنية التحتية الحيوية والمشاريع ذات الجدوى الاقتصادية.
الحكومة لم تحدد حجم الوفر
ورغم اتساع الإجراءات، لم تعلن الحكومة رقماً محدداً للوفر المالي الذي تستهدف تحقيقه، وقالت وزارة المالية إنها ستتابع التنفيذ وتقيس الوفورات المتحققة، فيما أُلزمت الجهات العامة بتقديم بيانات عن النفقات التي جرى وقفها أو تخفيضها وحجم الوفر المتوقع.
وبالتالي، فإن نسبة الـ30% الواردة في البلاغ تخص مخصصات وقود السيارات والآليات المشمولة بالإجراء، ولا تعني خفض إجمالي الإنفاق الحكومي بالنسبة نفسها.
مليار دولار في ستة أشهر
وتأتي الإجراءات على خلفية اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات خلال تنفيذ موازنة 2026.
ففي النصف الأول من العام، بلغ الإنفاق العام نحو 3.7 مليارات دولار، مقابل إيرادات بنحو 2.7 مليار دولار، ما يعني فجوة تقارب مليار دولار خلال ستة أشهر.
وتقدر الموازنة السنوية الإيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات تبلغ 10.516 مليارات، بعجز مخطط يقارب 1.8 مليار دولار.
وبذلك، تجاوزت الفجوة المسجلة خلال النصف الأول وحده نصف قيمة العجز المقدر للعام كاملاً.
كما تكشف بيانات تنفيذ الموازنة اختلافاً في وتيرة نمو جانبي المالية العامة، إذ ارتفعت الإيرادات بنحو 111% مقارنة بالنصف الأول من 2025، فيما ارتفع الإنفاق بنحو 331%.
وجاء توسع الإنفاق بالتزامن مع زيادة الرواتب والنفقات المرتبطة بأولويات الحكومة وارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات ومدخلات الإنتاج.
كم يمكن أن توفر الإجراءات؟
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم لـ”سوريا بلس” إن إجراءات الترشيد يمكن أن تخفف العجز جزئياً، لكنها لن تكون كافية لإغلاقه.
وبحسب عبد الكريم، بلغت النفقات الإدارية في النصف الأول نحو 1.03 مليار دولار، مقابل نحو 1.34 مليار للرواتب و1.02 مليار للإنفاق الاستثماري.
وتشمل النفقات الإدارية جانباً من تكاليف تشغيل الجهاز الحكومي، وهي من أبرز المجالات التي تستهدفها إجراءات الترشيد الجديدة.
ويقدر عبد الكريم أن خفض هذا البند بنسبة تتراوح بين 10 و15% يمكن أن يوفر ما بين 100 و150 مليون دولار كل ستة أشهر.
وبالمقارنة مع فجوة تقارب مليار دولار في النصف الأول، فإن الوفر الذي يقدره عبد الكريم لن يكون كافياً وحده لمعالجة الاختلال المالي.
ويرى أن تحقق أكثر من نصف العجز السنوي المخطط في منتصف العام يزيد احتمالات تجاوز العجز الفعلي المستوى المقدر إذا استمر الاتجاه نفسه.
الإيرادات جزء من المشكلة
ولا يحصر عبد الكريم المشكلة في جانب الإنفاق، بل يرى أن استدامة الإيرادات تمثل تحدياً أساسياً للمالية العامة.
وبحسب الأرقام التي استند إليها، جاءت نحو 1.1 مليار دولار من إيرادات النصف الأول من الجمارك، و763 مليون دولار من عوائد استثمارات الدولة، فيما بلغت إيرادات النفط والغاز نحو 601 مليون دولار.
ويقول إن جانباً من الإيرادات يرتبط بمصادر استثنائية لا يمكن ضمان تكرارها سنوياً.
وكان صندوق النقد الدولي قد أشار إلى إيرادات استثنائية تشمل رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود، ودعا إلى بناء موازنة 2027 على افتراضات متحفظة للإيرادات والتمويل، بالتوازي مع احتواء الإنفاق الجاري.
كما أشار الصندوق إلى أن موازنة 2025 انتهت بفائض طفيف، مع إبقاء الإنفاق ضمن حدود الموارد المتاحة وعدم اللجوء إلى تمويل الموازنة من المصرف المركزي.
وفي المقابل، توسعت موازنة 2026 بصورة كبيرة، سواء من حيث الإنفاق الجاري أو الاستثماري، في ظل احتياجات واسعة للخدمات وإعادة تأهيل البنية التحتية.
ولذلك، يرى عبد الكريم أن معالجة العجز تحتاج إلى ما يتجاوز تقليص المصروفات الإدارية، لتشمل إعادة هيكلة الجهاز الإداري وتوحيد المشتريات الحكومية وتحسين التحصيل الضريبي والجمركي.
وقال إن اقتصار الإجراءات على منع شراء السيارات وتقليص الضيافة سيكون “شراء للوقت، وليس إصلاحاً مالياً”.
الأهم كفاءة الإنفاق
أما الباحث الاقتصادي محمد هنداوي فيرى أن الإجراءات ينبغي ألا تقرأ باعتبارها مجرد خفض للنفقات، بل خطوة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي.
وقال هنداوي لـ”سوريا بلس” إن الأهمية الاقتصادية تكمن في الانتقال من مفهوم “خفض الإنفاق” إلى “الإنفاق الأكثر كفاءة”.
وأضاف أن المطلوب ليس بالضرورة أن تنفق الدولة أقل، وإنما أن تحقق أثراً اقتصادياً وخدمياً أكبر مقابل الموارد العامة المستخدمة.
ويرى هنداوي أن مراجعة المشاريع الاستثمارية وفق ضرورتها ونسبة إنجازها وجدواها تمثل جانباً مهماً من الإجراءات، لأنها تسمح بإعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر المباشر والخدمات الأساسية والبنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، حذر من أن يؤدي خفض الإنفاق بصورة غير مدروسة إلى تأجيل صيانة ضرورية أو إضعاف الاستثمار، بما قد يحمل الدولة تكاليف أكبر مستقبلاً.
أين تذهب الوفورات؟
ويضع هنداوي طريقة استخدام الأموال التي سيتم توفيرها في صلب تقييم نجاح الإجراءات.
ويرى أن الوفورات ينبغي أن يعاد توجيهها نحو الصحة والتعليم والمياه والطاقة والبنية التحتية والصيانة الضرورية، إضافة إلى الاستثمارات القادرة على تحريك النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين الإنتاجية.
كما يمكن تخصيص جزء منها لتخفيف الضغوط على الموازنة وتحسين استدامة المالية العامة.
وقال هنداوي إن نجاح السياسة “لا يقاس فقط بحجم الوفر المالي”، وإنما بما جرى تخفيضه وكيفية إعادة استخدام الأموال والأثر الذي تحقق على الخدمات والإنتاج والاستثمار.
القطاع الخاص والمواطن
وفي المقابل، قد يكون لخفض الإنفاق الحكومي أثر يتجاوز مؤسسات الدولة، ويشير عبد الكريم إلى أن الشركات التي تبيع السلع والخدمات للحكومة، بما فيها شركات الطباعة والضيافة ومؤجرو العقارات ومقاولو الصيانة، قد تواجه انخفاضاً في الطلب.
كما تأتي الإجراءات بعد رفع أسعار المشتقات النفطية في 13 أيلول/سبتمبر، ما أضاف ضغوطاً على تكاليف النقل والإنتاج والأسعار.
ويرى عبد الكريم أن استثناء الرواتب من التخفيض يحمي قيمتها الاسمية، لكنه لا يضمن الحفاظ على قدرتها الشرائية إذا استمر ارتفاع الأسعار.
ولذلك، يعتبر أن ضبط المالية العامة لا يتعلق فقط بحجم العجز، بل أيضاً بكيفية توزيع كلفة معالجته بين الجهاز الحكومي والقطاع الخاص والأسر.
الاختبار في التنفيذ
يتفق الباحثان في أنّ خفض المصروفات غير الضرورية يمكن أن يساعد في ضبط المالية العامة، لكنه لا يمثل بمفرده إصلاحاً مالياً شاملاً.
فبينما يركز هنداوي على كفاءة الإنفاق وإعادة توجيه الوفورات إلى القطاعات الأكثر إنتاجية، يضع عبد الكريم استدامة الإيرادات وإصلاح الجهاز الإداري والتحصيل المالي في صلب معالجة العجز.
ومع عدم إعلان الحكومة حتى الآن حجماً مستهدفاً للوفر، ستكون نتائج التنفيذ هي المؤشر الأول على الوزن الحقيقي للإجراءات.
وسيتمثل الاختبار في مقدار الأموال التي ستوفرها الجهات العامة، وكيف ستعاد تخصيصها، وما إذا كانت الحكومة ستنجح في إبطاء نمو العجز من دون الضغط على الخدمات الأساسية والاستثمار أو نقل جزء أكبر من كلفة التصحيح المالي إلى المواطن.