من “الفصول الأربعة” إلى “ضيعة ضايعة”.. صنّاع الدراما السورية يناقشون تحديات الصناعة ومستقبلها

حجم الخط

دعا فنانون وكتاب ومنتجون سوريون إلى إعادة بناء صناعة الدراما السورية على أسس أكثر مهنية، ومعالجة ضعف النصوص وتوفير بيئة جاذبة للإنتاج، محذرين في الوقت نفسه من تحويل الأعمال الدرامية إلى مساحة لـ”الثأر والتشفي” بعد سنوات من الانقسام الذي عاشته البلاد.

وجاءت الدعوات خلال ندوة بعنوان “الدراما السورية بين التأثير والترفيه”، أقامتها اللجنة الوطنية للدراما بالشراكة مع لجنة صناعة السينما والتلفزيون في دمشق، بمشاركة الفنان جمال سليمان وعدد من الكتاب والمخرجين والمنتجين.

وركزت الندوة على مستقبل الدراما السورية وقدرتها على استعادة حضورها عربياً، والعلاقة بين دورها في مناقشة قضايا المجتمع ومتطلبات الترفيه والسوق، إلى جانب واقع النصوص والرقابة وبيئة الإنتاج وصورة المرأة في الأعمال التلفزيونية.

وقال سليمان إن الفصل بين التأثير والترفيه ليس ضرورياً، معتبراً أن العمل الدرامي يستطيع مناقشة قضايا اجتماعية وفكرية مع الحفاظ على قدرته على جذب الجمهور.

واستشهد بمسلسل “الفصول الأربعة” بوصفه نموذجاً لعمل جمع بين الجانبين وظل حاضراً في ذاكرة المشاهدين بعد سنوات من إنتاجه، إلى جانب أعمال سورية أخرى من بينها “خان الحرير” و”سيرة آل الجلالي” و”ضيعة ضايع”.

وحذر سليمان من ظهور نزعة “ثأرية” و”تشفٍّ” في بعض النصوص الجديدة، قائلاً إن الكاتب يتوجه إلى جمهور واسع داخل سوريا وخارجها، وإن تحويل الدراما إلى وسيلة لتصفية الحسابات قد يحقق صدى مرحلياً لكنه لا يساعد على إنتاج أعمال قادرة على الاستمرار.

وتطرق النقاش إلى صورة المرأة في الدراما، إذ شدد سليمان على أهمية مشاركة الكاتبات في صياغة الشخصيات والقضايا النسائية، مستعيداً تجربة “الفصول الأربعة” الذي كتبته دلع الرحبي وريم حنا، ومشيراً إلى أن الدراما السورية قدمت في مراحل سابقة شخصيات نسائية تجاوزت الصور النمطية.

وقال أمين سر اللجنة الوطنية للدراما نضال الحبال إن التأثير لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب مباشر، وإن الحكاية والشخصيات والصراع الدرامي هي الأدوات التي تسمح بطرح قضايا المجتمع والوصول إلى الجمهور.

وأضاف أن تطوير الدراما يتطلب تحسين آليات تقييم النصوص وتعزيز مسؤولية الكاتب، مع الحفاظ على ارتباط الأعمال بالواقع السوري وتجنب التشويه والتنميط.

من جهته، قال رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز إن استعادة الدراما السورية لمكانتها تتطلب التعامل معها باعتبارها صناعة متكاملة وليس مجرد نشاط مرتبط بموسم محدد.

وأشار إلى أهمية توفير بيئة إنتاج جاذبة للشركات السورية والعربية، وتسهيل عمل المنتجين وفرق التصوير وإزالة العقبات التي تواجههم، بما يسمح بإعادة سوريا إلى خارطة الإنتاج والتصوير الدرامي في المنطقة.

وأبدى عنيز تفاؤلاً بالموسم الإنتاجي المقبل من حيث عدد الأعمال وفرص انتشارها، مؤكداً ضرورة تحقيق توازن بين القيمة الاجتماعية والفكرية للعمل وبين الجانب الترفيهي الذي يجذب المشاهد.

وقال الكاتب مروان قاووق إن نقطة البداية تبقى النص، وإن الكاتب يستطيع الاستفادة من ذاكرته وتجربته الشخصية ومعاناة الناس، لكن من دون تحويل العمل إلى وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات.

وشهدت الندوة مداخلات تناولت الرقابة على النصوص وضعف الكتابة وتكرار الأفكار ومستقبل الإنتاج ووسائل العرض الجديدة، إضافة إلى كيفية استعادة الكفاءات السورية التي عملت خارج البلاد خلال السنوات الماضية.

وتأتي المناقشات في وقت تحاول فيه صناعة الدراما السورية استعادة جزء من حضورها في السوق العربية، وسط دعوات إلى عودة شركات الإنتاج والتصوير إلى سوريا واستقطاب الفنانين والكتاب والفنيين الموجودين في الخارج.

وكانت اللجنة الوطنية للدراما قد ناقشت في فعاليات سابقة مشكلات القطاع، وأظهر استطلاع عُرض ضمن إحدى تلك الفعاليات أن 83 بالمئة من المشاركين يرون أن ضعف الكتابة وتكرار الأفكار من أبرز التحديات التي تواجه الدراما السورية.

ويرى العاملون في القطاع أن استعادة المكانة التي حققتها الدراما السورية في العقود الماضية لن تعتمد على زيادة عدد المسلسلات وحدها، بل على جودة النصوص وقدرة الأعمال على مخاطبة مجتمع تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع بناء بيئة إنتاج تستطيع المنافسة في سوق عربية باتت تعتمد بصورة متزايدة على المنصات الرقمية والإنتاجات ذات الميزانيات الكبيرة.