حدائق حمص تعود للحياة تحت ظلال الخوف
تقترب الساعة من الرابعة عصراً في يوم من أيام صيف عام 2026. كانت الشمس تميل جهة الغروب، ودرجات الحرارة تصبح أدنى مما كانت عليه نهاراً. في هذا الوقت من النهار، تشهد حديقة باب الدريب وسط مدينة حمص السورية حركة الزوار ورواد الحديقة الذين يقصدونها بهدف قضاء وقت للاستراحة وسط المناظر الطبيعية والغطاء النباتي الأخضر.
عشرات المجموعات، تتنوع بين أسر وأفراد، تعبر أبواب الحديقة الأربعة وتتقاسم أجزاءها. بعضهم اختار الجلوس على المقاعد الخشبية، وآخرون فضلوا المشي عبر ممراتها، ومجموعات من الأطفال انقسمت للعب، في حين كانت الأمهات يجلسن ضمن تجمعات نسائية يتشاركن فيها احتساء القهوة وتبادل الأحاديث.
يعكس تنوع الأشخاص داخل الحديقة، والذي يمكن الاستدلال عليه من تنوع لباس الزوار، الذي يتراوح بين الأزياء الرياضية التي تدل على بيئة أكثر تحرراً والأزياء التي تعكس بيئة محافظة، صورة يمكن اعتبارها مرآة للتنوع العام ضمن المجتمع السوري بمختلف طوائفه الدينية وإثنياته العرقية، وأسلوب التعايش السلمي الذي يشكل جوهر العلاقة بين السوريين فيما لو توفر لهم الزمان والمكان المناسبان.
إلى الشرق من حي باب الدريب، حيث تقع الحديقة، تنتشر أحياء حمص الشرقية، كحيّي البياضة والخالدية. داخل تلك الأحياء حدائق لم يمر بها قطار الحظ، ولم تطلها يد الترميم بعد كما حظيت به حديقة باب الدريب، التي تم ترميمها مطلع العام الحالي. والسبب في ذلك، كما علمنا، يرجع إلى كون تلك الأحياء الشرقية تكاد تخلو من سكانها، وبيوتها مدمرة بصورة شبه كاملة، ما جعل التفكير في ترميم حدائقها يحتل مرتبة ثانوية.
ما تزال الأحياء الشرقية لمدينة حمص تعيش حالة من الدمار والإهمال، كحال كثير من الأحياء السكنية في المدن السورية الكبرى، وبخاصة دمشق وحلب، بفعل ما نجم عن الحرب السورية طيلة 14 عاماً.
تسلل إلى صدر سنا طه، ابنة مدينة حمص، شعور بالارتياح بعد أن تجاوزت الباب الغربي لحديقة الدبلان المطل على شارع الكورنيش في القسم الغربي من مدينة حمص.
ما إن جلست سنا على مقعد خشبي داخل الحديقة حتى بدت على وجهها علامات السعادة، وهي تجول بنظرها متفحصة المكان من حولها بعين الرضا لما شهدته الحديقة من تبدلات إيجابية؛ فالعشب مشذب ومتناسق، واختفت الأغصان المتكسرة واليابسة التي كانت تنتشر على قسم كبير من أشجار الحديقة. وكانت حاويات القمامة النظيفة وإصلاح الكراسي الخشبية وطلاؤها داخل الحديقة سبباً آخر لحالة الارتياح التي شعرت بها سنا.
أعطت سنا الإذن لأولادها لينضموا إلى أقرانهم من الأطفال الذين يلعبون بالمراجيح البسيطة الموجودة في الحديقة كوسيلة للترفيه عنهم. ولم يُخفِ الأطفال فرحتهم بالألعاب وتوفر مساحة للعب، فيما راحت سنا تقارن بين حال الحديقة اليوم وحالها السابق خلال زيارتها الماضية لها، التي كانت في العام الماضي.
تقول سنا: “كانت حديقتا الدبلان والإنشاءات أولى الأماكن التي قصدتها بعد أسبوعين من عودتي إلى مدينة حمص، بعد عشر سنوات قضيتها في لندن ببريطانيا”.
تخبرنا سنا عن زيارتها الأولى لحديقة الدبلان، والانطباع السيئ الذي تركته لديها؛ مشاهد القمامة التي كانت تنتشر داخل الحديقة وحولها، والأغصان اليابسة والمتكسرة التي تدلت من الأشجار، وحالة العشب الذي نما بطريقة عشوائية.
تعرضت حدائق مدينة حمص ومرافقها العامة للإهمال، وبدأ ذلك مع أواخر عام 2012، حين كانت المعارك تدور بين الفصائل المسلحة الثورية وقوات النظام السابق.
حالة الحرب تلك، وما يرافق الحروب من أزمات اقتصادية وتراجع الاهتمام بقطاع الخدمات، انعكست على حدائق مدينة حمص، التي قدّر مدير مديرية الحدائق العامة، وليد عطية، عددها بـ247 حديقة، ويشمل هذا العدد الدوارات والمنصفات التي يوجد فيها غطاء نباتي.
تجلس ميسون على شرفة شقتها في الطابق الثالث بحي القصور في حمص، تحتسي فنجان قهوتها وعيونها مثبتة باتجاه الشجيرات الخضراء التي تنتشر على طول المنصف في الشارع الرئيسي الذي يعج بالسيارات أمام مسكنها.
يعيد مشهد الأشجار ميسون إلى الفترة التي كانت تعيش فيها في منزل أهلها قبل أن تتزوج وتنتقل للسكن في الحي الجديد عليها، حيث اعتادت ميسون الشيخ، 35 عاماً، الذهاب إلى حديقة ابن مسكويه، التي يُطلق عليها أيضاً حديقة الصناعة، في القسم الجنوبي من حي القصور.
كانت ميسون تقصد الحديقة برفقة والدتها وأخواتها على مدار فصلي الربيع والصيف. وشكلت الحديقة، بنظرها، متنفساً لأسرتها ولأسر كثيرة من سكان الحي والأحياء المجاورة، بعيداً عن المساحات الضيقة داخل شققهم السكنية، وهرباً من ضجيج الشارع وازدحام السيارات.
كما توفر الحدائق، برأي ميسون، مكاناً للعب الأطفال الصغار، ونقطة لقاء واجتماع وتبادل الأحاديث والتعارف لمن هم أكبر سناً.
تقول ميسون: “حرمتنا ظروف الحرب فرصة العودة لحديقة الصناعة، وكان آخر عهدي بها أواخر عام 2011”.
يتشارك معظم أبناء مدينة حمص مع ميسون النظرة ذاتها تجاه الدور الذي تلعبه الحدائق والمتنفسات العامة في مدينة تكتظ بسكانها، وهو الدور الذي تُخصص لأجله مساحات خضراء داخل المدن في مختلف دول العالم أيضاً.
من هنا تتجلى أهمية إعادة إحياء تلك الحدائق وإعطائها درجة متقدمة على سلم الأولويات، وهي خطوة باشرت بها مديرية الحدائق في المدينة منذ بداية النصف الثاني من عام 2025.
هذا ما أكده مدير الحدائق وليد عطية، الذي وصف العمل بأنه خطوة مقبولة نسبياً، نظراً إلى ضعف الإمكانات والميزانية التي تملكها المديرية، وأن إعادة تأهيل جميع الحدائق والمرافق العامة داخل مدينة حمص وحولها تتطلب موازنات مالية كبيرة.
واستدل على رأيه بالتكلفة المالية التي تطلبتها إعادة تأهيل الحديقة الجنوبية في حي البياضة بحمص، حيث بلغت كلفتها 100 ألف دولار أمريكي، قُدمت منحةً من الحكومة اليابانية.
كما أشاد عطية بجهود أبناء المدينة الذين تطوعوا للمشاركة في حملة “جمالية حمص”، التي دعت إليها المديرية في حزيران من العام الحالي 2026، وشهدت مشاركة 100 متطوع ومتطوعة من أبناء المدينة، بالإضافة إلى الكادر المتخصص التابع للمديرية، الذي يبلغ عدد أفراده 121 شخصاً، يتوزعون بين عمال ومهندسين ومشرفين، بحسب عطية.
وبيّن عطية أن خطوات إعادة التأهيل لم تشمل حدائق المدينة بالكامل، حيث بقيت بعض الحدائق في أحياء مثل الوعر والخالدية دون تأهيل في المرحلة الحالية، مرجعاً السبب إلى كون هذه الأحياء مدمرة بنسبة تفوق 90 بالمئة، ولم تشهد عودة حقيقية لسكانها الأصليين، ما دفع المديرية إلى تأجيل العمل عليها حتى مرحلة لاحقة.
شجعت إعادة تأهيل قسم من حدائق حمص كثيرين من أمثال سنا على ارتياد الحدائق من جديد. وفي المقابل، هناك قسم من أبناء المدينة ما زال متردداً في زيارة الحدائق أو التجول ضمن الشوارع التي شهدت إعادة تأهيل هي الأخرى، وبخاصة في أوقات المساء.
ودافعهم لهذا التردد هو حالة الخوف التي ما زالت تخيم على المدينة إثر تكرار حوادث الخطف والسطو المسلح وبعض عمليات التصفية التي شهدتها المدينة خلال العامين الأخيرين.
فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في محافظة حمص مقتل أكثر من 220 مدنياً وتسجيل 89 حالة خطف، وذلك في الفترة الممتدة من كانون الأول 2024 حتى نهاية عام 2025.
من جهته، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان حصيلة الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 في حمص وحدها، وبيّنت الأرقام مقتل 51 شخصاً، بينهم سيدتان وطفلان. وربط المرصد حوادث القتل تلك بأسباب طائفية، كون معظم القتلى ينتمون إلى الطائفة العلوية التي تسكن أحياء كبيرة في المدينة، كحيّي الزهراء وعكرمة.
تقطن آلاء، 28 عاماً، حي عكرمة ذي الغالبية العلوية. وهي تضطر في أحيان كثيرة إلى العودة باكراً إلى منزلها قبيل الغروب، وتتجنب المرور عبر أحياء وشوارع تفتقر إلى الإنارة في حال اضطرت إلى التأخر في العودة إلى المنزل.
ويرجع ذلك إلى خوفها مما قد تتعرض له أثناء عبورها تلك الأحياء المظلمة من خطف أو قتل، حيث تشكل تلك الظلمة مكاناً مناسباً لانتشار العصابات الخارجة عن القانون بنظرها.
تقول آلاء: “لا يمكن ربط حالة الخوف تلك بالفترة الحالية. هذا الشعور تعود جذوره لسنوات ماضية، يتشارك فيه أبناء الحي ذي الأغلبية العلوية، مع وجود عائلات من مختلف الطوائف الأخرى، وبخاصة السنة. حالة من عدم الأمان بسبب حالات القصف المتناوب بين الأطراف المتحاربة وانتشار ميليشيات بعضها خارج عن القانون على مساحة المدينة ككل”.
يتشارك جعفر (اسم مستعار)، وهو من أبناء حي عكرمة، مع آلاء حالة الخوف في أحيان كثيرة من التجول ضمن أحياء حمص على اختلافها، مرجعاً سبب خوفه إلى انتشار السلاح ضمن قسم كبير من الشوارع، حتى وإن كان هذا السلاح بأيدي عناصر الأمن التابعين للحكومة.
يقول جعفر: “لم أتعرض لأي موقف يهدد أمني أو سلامتي، لكن كثرة عناصر الأمن في حالات معينة باتت مؤشراً لدى قسم من أبناء المحافظة على أن هناك خللاً أمنياً ما استدعى هذا الانتشار، ما يعكس شعوراً داخلياً بالخوف بدلاً من أن يكون مصدراً للاطمئنان”.
يضيف جعفر: “كثيراً ما همست لصديقي عند رؤية انتشار مكثف لعناصر الأمن بعبارة: على غير المعتاد، عجّل لنوصل عالبيت قبل ما تعلق”.
يتفق الحاج أبو علي مع آلاء على أن حالة الخوف تمتد إلى عام 2012 وما بعده، حيث بدأ الأمر بمعارك بين الأطراف المتحاربة، واستمر لما بعد عام 2014، بعد انسحاب الفصائل المسلحة وانتشار عناصر قوات النظام في شوارع المدينة، ما حرم أبا علي ورفاقه متعة الجلوس في حديقة الإنشاءات القريبة من منزله، حيث اعتادوا الجلوس هناك كل يوم.
تحول أبو علي ورفاقه إلى خيار بديل في تلك الفترة؛ فكنت تراهم عند ساعة العصر يجتمعون في الشارع ويقررون الذهاب إلى منزل أحد أفراد الشلة، وفي كل يوم يقع الخيار على واحد منهم ليكون المضيف.
هذه الجلسات المنزلية خففت عن أبي علي ورفاقه شعور الحرمان من حرية الجلوس والتجول بسبب المظاهر العسكرية.
يقول أبو علي: “تخيل أنك تجلس في مكان عام، وعيون أمنية تترصد كل حركة تقوم بها، وتحصي كل همسة تتفوه بها أنت أو أحد رفاقك”.
يبني الكاتب الصحفي عمار ديوب، من مدينة حمص، تصوراً حول حالة الخوف لدى قسم كبير من أبناء المدينة، مستنداً إلى استطلاع أجراه لشريحة متنوعة من أبناء المدينة.
ينظر ديوب إلى حالة الخوف باعتبارها آنية، رابطاً إياها بالجو الأمني العام الذي تمر به المدينة. وبرأيه، هي تزداد مع ازدياد وتيرة حالات الخطف والقتل، وتخف مع عودة الاستقرار خلال زمن قدّره ديوب بنحو 48 ساعة، حيث يعاود الناس التجول ضمن الشوارع والتعايش مثل الأيام العادية.
لكنه لا ينفي وجود حالة من الخوف الدائم يشعر بها بعض أبناء المدينة، وأن البعض “ما زالوا يعيشون حالة خوف ذاتي لدرجة اقتصار خروجهم من المنزل على شراء حاجاتهم الضرورية للأسرة”.
عاودت مريم العلي (اسم مستعار)، ابنة حي عكرمة، جلساتها رفقة صديقاتها ضمن شارع خالد بن الوليد الذي أعيد تأهيله مؤخراً، وسط عائلات من أحياء مختلفة ومتنوعة من مدينة حمص، تعكس التنوع الطائفي والديموغرافي الذي ميّز المحافظة طيلة تاريخها، متحدية النظرة العامة التي تقول إن المجتمع الحمصي يشهد حالة من الانقسام والنزاع الطائفي العام.
تقول مريم: “لم أشعر أنني غريبة عن المكان، ولم ألمح في نظرات العائلات التي كانت تجلس حولنا من كل المكونات سوى نظرات حب وود، كما هي حقيقة أبناء مدينة حمص”.
يرى إلياس تلو، 32 عاماً، الذي يقطن حي الورشة في المدينة، ضرورة أن يتغلب المواطن السوري على حالة الخوف، وعدم السماح لها بشل حركته ومنعه من ممارسة حياته اليومية بشكل مقبول.
يقول إلياس: “ستة عشر عاماً مضت عايشنا الخوف خلالها، فبات جزءاً كئيباً من حياتنا اليومية”.
يجمع كثير ممن التقيناهم من أبناء المدينة على أن عودة الحدائق بغطائها النباتي إلى حمص تعني عودة الحياة الطبيعية إلى مدينة أنهكتها سنوات الحرب، وعشعش شعور الخوف في قلوب الغالبية من سكانها، وأن تعاود الحدائق دورها في تقريب الناس من بعضهم ونشوء علاقات اجتماعية تدوم لسنوات.
كما حدث مع حسن، البالغ من العمر 35 عاماً، الذي التقى حبيبته للمرة الأولى في حديقة “باب الدريب” أواخر عام 2025، وتطورت علاقتهما فيما بعد، حيث تزوجا وأنجبا أطفالاً.
خلود المحمد نشأت في عائلة محافظة، ودرست ضمن مدارس حيها ذي الأغلبية المسلمة. سمحت لها زيارة قامت بها مع أختها الكبرى إلى شارع الدبلان بالتعرف مصادفة إلى “كريستين وليلى”، وهما فتاتان من الطائفة المسيحية، لتنشأ بينهن علاقة صداقة دامت حتى اليوم. ورغم تباعدهن مكانياً بسبب بعض الظروف، فإن صداقتهن لم تتأثر بذلك.
لا يسع الحدائق وحدها أن تقف في وجه خوف عمره عقد ونصف. هنا يأتي دور الحكومة والجهات الأمنية في ترسيخ دور الدولة والقيام بمسؤولياتها في استقرار الوضع الأمني، والذي ما يزال دوراً خجولاً بحسب إحصائيات الحوادث المذكورة أعلاه. وسيظل الخوف شبحاً يلاحق حياة قسم كبير من أبناء حمص حتى حدود حدائقهم.
____________________
تنويه: أعد التقرير خلال ورشة تدريبية أقامها موقع تاز الإعلامي الألماني