عاد ملف الانتهاكات داخل الفرع 215 التابع للمخابرات العسكرية في عهد نظام بشار الأسد إلى الواجهة، عقب الكشف عن توقيف أحمد ميهوب عليا، المعروف بلقب “شرشبيل”، والذي شغل منصب رئيس مفرزة السجن في الفرع، وسط اتهامات بالتورط في تعذيب المعتقلين وتصفيتهم وارتكاب انتهاكات جنسية بحق النساء، بالتزامن مع الكشف عن دعاوى قضائية أقامها ذوو ضحايا وناجون من الاعتقال.
باسل سعيد مانع – بصفتي وكيلاً عن الإعلامية آسيا هشام في قضية… | Facebook
وكشف المحامي باسل سعيد مانع، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، أنه تقدم في 11 أيار/مايو 2026 بادعاء شخصي أمام النيابة العامة لدى محكمة الإرهاب في دمشق،
بصفته وكيلاً عن الإعلامية آسيا هشام، ضد عليا، على خلفية اتهامات تتعلق بالقتل العمد والإخفاء القسري وتصفية المعتقلين، وفي مقدمتهم والد موكلته هشام الحوز.
وأوضح مانع أن الادعاء يستند إلى معلومات وشهادات تنسب إلى عليا مسؤولية إصدار أوامر بتصفية الحوز وعدد من المعتقلين السوريين داخل الفرع 215، مؤكداً أن هذه الاتهامات تستوجب تحقيقاً قضائياً مستقلاً يكشف ملابسات الوقائع ويحدد المسؤوليات.
وأشار إلى أن توقيف عليا كان معلوماً لديه ولدى موكلته منذ فترة، لكنهما فضّلا عدم الإعلان عنه احتراماً لسرية التحقيقات ومتطلبات جمع الأدلة، قبل الكشف عن القضية عقب تداول خبر توقيفه.
ودعا المحامي المتضررين ممن يمتلكون أدلة أو معلومات موثوقة بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى عليا إلى التقدم بادعاءاتهم أمام الجهات القضائية المختصة، بما يضمن توثيق الوقائع وحفظ حقوق الضحايا.
مواجهة مع عشر ناجيات من الاعتقال
وفي سياق متصل، نقلت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، السبت 10 تشرين الأول/أكتوبر، عن الناشط في مجال العدالة الانتقالية حمزة نضر، المعروف باسم “أبو خالد الميداني”، أن عليا أُوقف قرب منطقة باب سريجة في دمشق، بعدما انتقل إلى العاصمة عقب أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025.
وبحسب نضر، تقدمت لجنة معتقلي الفرع 215 في 20 أيار/مايو الماضي بادعاء شخصي ضده، مدعوماً بشهادات معتقلين سابقين وتسع ناجيات من الاعتقال.
وأشار إلى أن جلسة مواجهة عُقدت الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر، بين عليا وعشر نساء سبق اعتقالهن داخل الفرع، وتناولت اتهامات بالتعذيب والاعتداءات الجنسية والتجويع والحرمان من العلاج.
ونسب نضر إلى عليا إقرارات بممارسات قال إنها أسهمت في وفاة أكثر من 500 معتقل، إضافة إلى انتهاكات بحق النساء المحتجزات، من دون نشر محاضر رسمية تتيح التحقق بصورة مستقلة من مضمون تلك الإقرارات أو العدد المذكور.
من هو “شرشبيل”؟
ينحدر أحمد ميهوب عليا من مدينة جبلة في محافظة اللاذقية، وكان يشغل منصب رئيس مفرزة السجن في الفرع 215، المعروف بفرع المداهمة والاقتحام، التابع لشعبة المخابرات العسكرية في دمشق.
ووفق المعلومات التي نشرها نضر، حمل عليا رتبة مساعد أول، واستمر في منصبه حتى عام 2015، قبل أن يواصل العمل مع الفرع بصفة متعاقد بعد تقاعده.
وشملت مهامه، بحسب شهادات معتقلين سابقين، استقبال المحتجزين وتفتيشهم وتوزيعهم على الزنزانات واستلام مقتنياتهم الشخصية، إلى جانب الإشراف على إجراءات الاحتجاز.
واشتهر بين المعتقلين بلقب “شرشبيل”، الذي ورد في شهادات منشورة منذ عام 2013، وارتبط باتهامات بالتعذيب والإهانة والتفتيش المهين، ولا سيما بحق النساء المعتقلات.
شهادات عن التعذيب والانتهاكات الجنسية
وتحدثت الناجية والناشطة الحقوقية نور عبد الغني عربو، المعروفة باسم نور الخطيب، عن تجربتها خلال الاعتقال في الفرع 215، مؤكدة أنها تعرفت إلى عليا عندما كان مسؤولاً عن استقبال المعتقلين وتوزيعهم على الزنزانات.
وقالت في تصريح لشبكة “شام” الإخبارية إن إجراءات استقبال المعتقلات كانت تتضمن إجبارهن على التعري والتفتيش المهين، فضلاً عن الضرب والإهانة والتهديد بالتعذيب والقتل.
وأضافت أن الاتهامات المنسوبة إليه تشمل المشاركة في تعذيب المعتقلين وإصدار أوامر بذلك، إلى جانب الحرمان من الطعام والعلاج وممارسات مهينة بحق النساء المحتجزات.
اتهامات بتصفية معتقلين وإخفاء جثامينهم
وتشمل الاتهامات الموجهة إلى عليا المشاركة في ممارسات تعذيب وتجويع وحرمان من العلاج، يُعتقد أنها أسهمت في وفاة معتقلين داخل الفرع، فضلاً عن اتهامات بالمشاركة في عمليات تصفية.
وبحسب حمزة نضر، تضمنت المعلومات التي ظهرت عقب جلسة المواجهة اتهامات بتكديس جثامين المعتقلين، والمشاركة في عمليات قتل باستخدام حقن الهواء، إضافة إلى فصل أطفال عن ذويهم المعتقلين وتسليمهم إلى أشخاص آخرين.
وأشار إلى واقعة تتعلق بالمعتقل عبد الرحمن الفشتكي، الذي قال إنه قُتل مطلع عام 2015 بحقنة هواء في الرقبة، بينما كان أفراد من عائلته محتجزين أيضاً داخل الفرع.
وتأتي هذه الاتهامات بالتزامن مع الادعاء الذي كشف عنه المحامي باسل سعيد مانع بشأن مقتل هشام الحوز، والد الإعلامية آسيا هشام، والذي تنسب المعلومات الواردة في الدعوى إلى عليا مسؤولية إصدار أوامر بتصفيته.
ولم تُنشر حتى الآن وثائق قضائية تثبت تفاصيل هذه الوقائع أو تحدد المسؤولية الجنائية الفردية عنها.
الفرع 215.. سجل من الانتهاكات
ارتبط اسم الفرع 215 في دمشق بانتهاكات واسعة خلال سنوات حكم النظام السابق، وفق تقارير حقوقية وشهادات معتقلين سابقين وثقت التعذيب وسوء المعاملة والاكتظاظ والحرمان من الرعاية الطبية.
مطالبات بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين
وشدد المحامي باسل سعيد مانع على تمسك موكلته آسيا هشام بحقها في معرفة ملابسات مقتل والدها ومحاسبة المسؤولين، معتبراً أن كشف الحقيقة يمثل خطوة أساسية لإنصاف الضحايا وعائلاتهم.
كما دعت الناجية نور الخطيب إلى محاكمة تكشف الانتهاكات التي شهدها الفرع 215 وتحدد مسؤوليات المتورطين، مع ضمان حماية الناجيات وخصوصيتهن خلال الإدلاء بشهاداتهن.
وفي السياق، أعلن حمزة نضر عزمه الاستعانة بصور “قيصر” المسرّبة، التي توثق جثامين معتقلين قضوا في مراكز احتجاز النظام السابق، ضمن الأدلة التي يسعى إلى تقديمها في القضية.
وأشار إلى توقع إحالة عليا إلى المحكمة خلال الفترة المقبلة، مع استعداد معتقلين سابقين للإدلاء بشهاداتهم بشأن الانتهاكات التي شهدوها.
ولم يصدر، وفق المعلومات المتاحة حتى إعداد التقرير، إعلان قضائي رسمي يحدد موعد المحاكمة أو طبيعة التهم المسندة إلى عليا، كما لم تتوافر إفادة من محاميه أو رد منه على الاتهامات المنشورة.
القضية تعيد فتح ملف المسؤولية عن الانتهاكات داخل الفرع 215، في وقت تسعى فيه عائلات الضحايا والناجون من الاعتقال إلى كشف مصير المفقودين وتحديد المسؤولين عن التعذيب والقتل والإخفاء القسري، ضمن مسار قضائي يضمن حقوق الضحايا والمتهمين.