العجز السكني في سوريا يختبر مشاريع إعادة الإعمار

حجم الخط

مع تقديرات وزارة الأشغال العامة والإسكان باحتمال تجاوز العجز السكني في سوريا مليوني وحدة بحلول عام 2030، تبرز مشاريع إعادة الإعمار والتطوير العقاري بوصفها أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بالتعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. لكن تحويل الاستثمارات المعلنة إلى مساكن متاحة فعلياً يظل مرهوناً بتحديات تتجاوز حجم البناء، لتشمل كلفة الإنشاء والتمويل وتوفير الأراضي المخدّمة ومدى قدرة الأسر على شراء الوحدات السكنية.

وفي هذا السياق، وقّعت وزارة الأشغال العامة والإسكان اتفاقية إطارية مع مجموعة شركات “إيجل هيلز”، وصفها وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق بأنها انتقال من مرحلة الرؤية والتخطيط إلى مرحلة الشراكة والتنفيذ في مسار إعادة الإعمار.

وتفتح هذه المشاريع الباب أمام استثمارات جديدة في القطاع العقاري، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن الفئات التي ستستفيد منها، والأسعار النهائية للوحدات، ومدى قدرتها على تلبية الاحتياجات السكنية المتزايدة، خصوصاً في ظل محدودية القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع.

مشاريع جديدة أمام فجوة سكنية متزايدة

تعمل وزارة الأشغال العامة والإسكان على إعداد استراتيجية وطنية متكاملة للإسكان، تشمل الأراضي والتخطيط والتشريعات والبنية التحتية والتمويل والاستثمار والتنفيذ، بهدف إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة، وفق ما أعلنه الوزير مصطفى عبد الرزاق.

وأوضح الوزير أن المشاريع الاستراتيجية ستشمل السكن الاجتماعي والميسّر والمتوسط والاستثماري، ضمن مسارات تستهدف توسيع المعروض العقاري، ودعم النشاط الاقتصادي، وتوجيه موارد الدولة نحو الشرائح الأكثر احتياجاً.

وأشار إلى أن الاتفاقية مع إيجل هيلز تتضمن مشاريع ستدخل مرحلة التنفيذ، بينها مشروعان سيبدأ العمل بهما مباشرة، متوقعاً أن توفر هذه المشاريع مساكن ميسّرة واقتصادية، إلى جانب آلاف فرص العمل المحتملة في قطاعات الإنشاء والصناعة والخدمات والسياحة وسلاسل التوريد.

كما يُنتظر أن تتيح هذه المشروعات فرصاً لشركات المقاولات والاستشارات والموردين والكفاءات السورية، فضلاً عن نقل الخبرات الدولية وتطوير أساليب التخطيط والتنفيذ.

لكن الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات سيظل مرتبطاً بعدد الوحدات التي ستُنجز، والمدة اللازمة لتسليمها، وأسعارها النهائية، ومدى توافقها مع احتياجات الأسر. فالإعلان عن مشاريع عقارية جديدة لا يعني بالضرورة تقليص العجز السكني ما لم تتحول الخطط إلى وحدات قابلة للسكن والشراء من الفئات المستهدفة.

القدرة الهندسية متاحة.. والتحدي في منظومة التنفيذ

يرى المهندس المدني محمد النجومة، الخبير في المشاريع العمرانية والبنى التحتية الخدمية، في حديثه إلى سوريا بلس، أن سوريا تمتلك قاعدة من المهندسين والفنيين والحرفيين، إلى جانب خبرات متراكمة في تنفيذ مشاريع البناء، ما يشكل أساساً فنياً يمكن الاستفادة منه في إعادة الإعمار وتوسيع قطاع الإسكان.

لكن النجومة يوضح أن التحدي لا يقتصر على توافر الكفاءات، بل يشمل قدرة منظومة البناء على العمل على نطاق واسع، بدءاً من التمويل والمعدات والطاقة والنقل ومواد البناء، وصولاً إلى الأراضي والخدمات وسلاسل التوريد.

ويشير إلى أن القدرة الفنية متوافرة بدرجة معقولة، في حين لا تزال الإمكانات المؤسسية والتمويلية واللوجستية محدودة أمام تنفيذ برنامج إسكان وطني واسع.

ويعني ذلك أن زيادة عدد المشاريع والورشات لا تكفي وحدها لتسريع البناء؛ إذ يتطلب الأمر تنسيقاً بين الجهات المعنية، وتأمين مستلزمات العمل، ووضع جداول زمنية قابلة للتنفيذ، والحد من التعطل الناتج عن نقص التمويل أو المواد أو الخدمات الأساسية.

كما يرتبط خفض كلفة السكن بتوفير الأراضي المناسبة والبنية التحتية اللازمة للمناطق الجديدة، بالتوازي مع معالجة ارتفاع أسعار مواد البناء وصعوبات تأمين المعدات والنقل.

ويشدد النجومة على أن السكن الميسّر لا يعني خفض جودة البناء أو التنازل عن معايير السلامة، بل يتطلب إدارة مدروسة للتكاليف تتيح تخفيض السعر النهائي دون الإخلال بالمواصفات الفنية.

خفض الكلفة يبدأ من التصميم

من جهته، يرى أسامة عبود، المدير العام لشركة هامات للمقاولات، أن ضبط تكاليف البناء يبدأ قبل وصول المعدات والعمال إلى موقع المشروع، من خلال إعداد الدراسات والتصاميم وجداول الكميات وخطة التنفيذ.

ويفرّق عبود بين خفض الكلفة عبر حلول هندسية مدروسة، وتقليص النفقات على حساب جودة المواد أو السلامة الإنشائية، معتبراً أن المسار الأول يحقق وفورات فعلية، في حين قد يؤدي الثاني إلى تكاليف إضافية للصيانة والإصلاح مستقبلاً.

ويحدد مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تساعد على ضبط الكلفة، أبرزها إعداد دراسات دقيقة للكميات والتكاليف، واعتماد تصاميم عملية تحد من الهدر في المساحات والمواد، واختيار الأنظمة الإنشائية المناسبة بناءً على دراسة التربة والتصميم الهندسي.

كما يشير إلى أهمية تنظيم شراء المواد وتوريدها ومراقبة جودتها، ومقارنة الأسعار وفق المواصفات والكلفة الإجمالية، ووضع برنامج زمني واضح ومتابعة الإنتاجية في مواقع العمل، بما يقلل التأخير والحاجة إلى إعادة التنفيذ.

ويضيف أن تقنيات البناء الحديثة والتصنيع المسبق يمكن أن تسهم في خفض التكاليف وتسريع الإنجاز، عندما تكون ملائمة من الناحيتين الفنية والاقتصادية، مع ضرورة الالتزام بالإشراف الهندسي وإجراء الفحوصات اللازمة خلال مراحل التنفيذ.

ولا تقتصر الكلفة الفعلية للمسكن، وفق عبود، على نفقات الإنشاء الأولية، بل تشمل الصيانة والتشغيل والعمر الافتراضي للمبنى. لذلك، فإن تقييم المشاريع على أساس سعر البناء وحده قد لا يعكس كلفتها الحقيقية على المدى الطويل.

ويؤكد أن دور المقاول لا يقتصر على تنفيذ المخططات، بل يشمل توظيف خبرته للوصول إلى أفضل نتيجة ضمن الميزانية المحددة، مع الحفاظ على الجودة ومتطلبات السلامة.

القدرة الشرائية تحدد فرص نجاح المشاريع

لا يعني خفض تكاليف الإنشاء بالضرورة أن الوحدات السكنية ستصبح في متناول الأسر، إذ تبقى العلاقة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل من أبرز التحديات أمام توسيع الاستفادة من المشاريع الجديدة.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصاد والاستثمار الدولي جلال بكار، في حديثه إلى سوريا بلس، أن نجاح مشاريع إعادة الإعمار لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاستثمارات وفرص العمل المعلنة فقط، بل بقدرتها على الاستمرار وتلبية الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

ويشير بكار إلى أن المشاريع العقارية تحتاج إلى طلب فعلي قادر على شراء الوحدات، وإلى تدفقات مالية تضمن استمرارية التنفيذ، محذراً من الفجوة بين أسعار العقارات وإمكانات شريحة واسعة من السوريين.

ويقدّر أن المواطن السوري متوسط الدخل لا يستطيع تحمل أسعار عقارية تتراوح بين 800 و1000 دولار للمتر المربع، في ظل تراجع الموارد الاقتصادية وانخفاض القدرة الشرائية. ويرى أن طرح وحدات بهذه الأسعار يثير تساؤلات حول الفئات القادرة على شرائها، ومصادر الطلب التي ستضمن استدامة المشاريع.

ويؤكد بكار ضرورة التمييز بين إعادة إعمار المساكن التي دُمّرت خلال الحرب، والاستثمار العقاري الذي يستهدف تحقيق عائد مالي. فالأول يرتبط بتأمين السكن للأسر المتضررة، بينما يعتمد الثاني على الجدوى الاقتصادية والقدرة على تحقيق الأرباح.

ويضيف أن الدولة تواجه صعوبة في تحمل تكاليف إعادة إعمار جميع المساكن المدمرة بصورة مباشرة، ما يستدعي البحث عن آليات تجمع بين الاحتياجات الاجتماعية وإمكانات الاستثمار.

ومن بين الخيارات التي يطرحها دراسة اتفاقيات مع المستثمرين لإعادة تطوير المناطق المتضررة، بما يسمح بزيادة المساحات أو إنشاء طوابق أو منشآت إضافية ضمن ضوابط تنظيمية واضحة، على أن تُحدد حصة المستثمر وآلية تحقيق العائد بالتوازي مع ضمان إعادة بناء المساكن المتضررة.

ويرى أن نجاح هذه الصيغ يتطلب دراسة دقيقة للتكاليف والعوائد وحقوق أصحاب العقارات، بحيث لا تتحول إعادة الإعمار إلى مشاريع استثمارية منفصلة عن احتياجات الأسر المتضررة.

التمويل السكني.. حلقة أساسية لخفض الأسعار

إلى جانب كلفة الإنشاء، يشكل التمويل أحد العوامل الحاسمة في تحديد قدرة الأسر على امتلاك مساكنها. فحتى إذا انخفضت تكاليف البناء، قد تبقى الوحدات بعيدة عن متناول المشترين في حال غياب برامج تمويل طويلة الأجل وأقساط تتناسب مع دخولهم.

ويؤكد عبود إمكانية توفير وحدات بأسعار أكثر ملاءمة، لكنه يشدد على ضرورة معالجة كلفة إنتاج المسكن بالتوازي مع تطوير أدوات التمويل، موضحاً أن التقسيط وحده لا يحل المشكلة إذا ظل السعر الأساسي مرتفعاً، كما أن خفض كلفة البناء لا يكفي إذا تعذر على المشتري الحصول على التمويل.

ويقترح العمل على ثلاثة مسارات متكاملة: الأول خفض كلفة الإنتاج من خلال التصميم الاقتصادي المدروس، وتوفير الأراضي المخدّمة، وتحسين إدارة التنفيذ والمشتريات؛ والثاني تطوير التمويل السكني عبر برامج طويلة الأجل، ومؤسسات مرخصة، وبرامج للادخار السكني، ودعم موجّه للفئات الأكثر احتياجاً؛ والثالث توفير آليات تقسيط واقعية ترتبط بمراحل تنفيذ المشروع أو ببرنامج تمويل واضح.

ويشدد عبود على ضرورة أن تستند الأقساط إلى القدرة الفعلية للأسر على السداد، وأن تتضمن العقود تفاصيل واضحة بشأن السعر النهائي ومدة التسليم والمواصفات وآلية التعامل مع أي تغيرات في التكاليف.

كما يرى أن دعم القطاع الخاص يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وإجراءات ترخيص ميسّرة، وتشريعات واضحة، وأراضي مخدّمة، ومصادر تمويل طويلة الأجل، إلى جانب تنظيم الشراكات بين الدولة والمطورين والمقاولين.

ويقترح ربط الحوافز المقدمة للشركات بنتائج قابلة للقياس، مثل عدد الوحدات التي جرى تسليمها، والأسعار المعتمدة، والالتزام بالمواصفات والمواعيد، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو مشاريع تحقق احتياجات سكنية فعلية.

إعادة الإعمار ليست استثماراً عقارياً فقط

من زاوية أوسع، يحذّر بكار من اختزال التعافي العمراني في الاستثمار العقاري، معتبراً أن سوريا تحتاج إلى خطط لإعادة الإعمار تنطلق من الاحتياجات المحلية، ولا تقتصر على جذب رؤوس الأموال الإقليمية والدولية.

ويرى أن الاستثمار العقاري يمكن أن يسهم في تنظيم السوق وتطوير آليات التسعير، لكنه لا يعوّض عن وجود سياسة عامة لمعالجة المساكن المدمرة والمتضررة، وتحديد أولويات إعادة البناء وفق احتياجات المناطق والأسر.

ويشير إلى وجود فجوة بين مستويات الدخل وأسعار العقارات، ما يستدعي تطوير أدوات لتسعير الوحدات وتحديد كلفتها بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي. ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب بناء منظومة واضحة لإعادة الإعمار والاستثمار معاً، مع دراسة إيجابيات كل مسار ومخاطره.

وتبرز هنا أهمية تحديد احتياجات المناطق المتضررة، ودراسة أوضاع ملكية الأراضي والمباني، ووضع آليات تتيح مشاركة المستثمرين في إعادة التطوير، مع حماية حقوق المالكين وتحديد الالتزامات والعوائد بوضوح.

برنامج وطني يربط التخطيط بالتنفيذ

يرى عبود أن معالجة الفجوة السكنية تتطلب برنامجاً وطنياً يبدأ بتقييم محدث للاحتياجات بحسب المحافظات والمناطق، مع التمييز بين المساكن المدمرة والمتضررة والمفقودة، وبين الوحدات القائمة التي لا يستطيع أصحابها تحمل تكلفتها.

ويشمل ذلك إعطاء الأولوية لترميم المساكن القابلة للإصلاح واستكمال المشاريع المتوقفة، بالتوازي مع بناء وحدات جديدة في المناطق الأكثر احتياجاً. كما يتطلب توفير أراضٍ مخدّمة ومخططات تنظيمية واضحة، وربط التوسع العمراني بالبنية التحتية والخدمات وفرص العمل.

ويؤكد أهمية رفع كفاءة قطاع المقاولات من خلال التخطيط والإشراف الهندسي وضبط التكاليف والالتزام بالمواصفات ومواعيد التسليم، إلى جانب تطوير شراكات بين الدولة والقطاع الخاص وتوفير آليات تمويل طويلة الأجل تتناسب مع دخول الأسر.

وفي هذه المنظومة، تتوزع الأدوار بين الدولة التي تضع السياسات وتوفر الإطار التنظيمي، والمطور العقاري الذي يدرس المشروع ويهيئ استثماره، والمقاول الذي يتولى التنفيذ وفق المعايير الفنية، والمؤسسات التمويلية التي تساعد على إيصال المسكن إلى المستفيد.

ومع تقديرات وزارة الأشغال العامة والإسكان باحتمال تجاوز العجز السكني مليوني وحدة بحلول عام 2030، لا يقتصر التحدي على زيادة عدد المشاريع أو حجم الاستثمارات، بل يتمثل في تحويل الخطط إلى وحدات منجزة ومخدّمة، بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية، وبمواصفات تضمن السلامة والاستدامة.

ويظل نجاح مشاريع الإسكان مرتبطاً بقدرتها على الجمع بين الجدوى الاستثمارية والاحتياجات الاجتماعية، من خلال خفض كلفة البناء، وتوسيع خيارات التمويل، وتحديد أولويات إعادة الإعمار، وضمان وصول المساكن إلى الفئات التي تحتاج إليها.