الوجه الآخر لحملات “مكافحة التشرد” في العاصمة

حجم الخط

خلف واجهات دمشق وأرصفتها المزدحمة، تتمدد ظاهرة صامتة تستنفر الجهات الرسمية لإخلاء الشوارع ممن يوصفون بـ”المشردين”. لكن الاقتراب من حياة المبعدين عن هذه الأرصفة يكشف حقيقة أشد مرارة، فالكثير منهم يمتلكون منازل فعلية على بعد كيلومترات قليلة، ابتلعها ركام الاجتياحات العسكرية وعطلت وعود “إعادة الإعمار” طريق العودة إليها، ليصبح الشارع ملاذهم الإجباري ريثما تُبنى الجدران.

في زاوية من حي العدوي بدمشق، وتحديداً قبالة جامع الثناء، لا تبدو السيارة الزرقاء القديمة، المركونة منذ عام 2015، للمارة العابرين سوى مركبة منسية أكل عليها الدهر. لكن بالاقتراب قليلاً من زجاجها، تتكشف تفاصيل حياة كاملة أُجبر رجل ستيني وابنه إسحاق (11 عاماً) على حشرها داخل هذا الهيكل المعدني. هناك، تتراكم الأغراض التي تختزل كل ما يملكانه؛ بطانيات مطوية لدرء برد الشتاء، وألبسة مكدسة، وموقد غاز صغير، لتتحول هذه السيارة على مدار سنوات إلى بيت ضيق يبتلع يومياتهما.

بمحاذاة هذا المأوى، يبدأ أبو إسحاق يومه بافتراش الرصيف خلف بسطة صغيرة لبيع البسكويت، ويمضي نهاره متنقلاً في الحي بحثاً عن رزق إضافي عبر إيصال الطلبات لمحال السمانة أو تنظيف أدراج الأبنية. سعيٌ يومي هادئ بنى من خلاله الرجل علاقة طيبة مع محيطه، حيث يدافع عنه أصحاب المحال واصفين إياه برجل “على باب الله” يكافح بكرامة. يصف أبو إسحاق هذه الألفة قائلاً: “إلي عُمر عايش هون، وكل الناس بتحبني وهون مصدر رزقي”.

غير أن هذا التعاطف لم ينسحب على جميع سكان الحي، إذ رأى البعض في مظهر السيارة المكدسة بالأغراض تشويهاً للطابع التنظيمي للشارع. يعبر أحمد (اسم مستعار، 46 عاماً) عن هذا الانزعاج بالقول: “سيارة أبي إسحاق تبدو وكأنها مكان لتجميع القمامة، وقد حاولنا بكل السبل إخراج الرجل وسيارته من الحي، لكننا لم نستطع إلى أن تجاوبت محافظة دمشق مع شكاوانا المتكررة ضمن حملة إزالة السيارات القديمة”.

هذا التذمر الأهلي تقاطع تماماً مع توجه رسمي أوسع للتعاطي مع المشهد كأزمة بصرية واجتماعية. فالجهات الحكومية لم ترَ في بقاء أبي إسحاق وابنه سوى امتداد لظاهرة “التشرد” التي تحول الساحات والأرصفة إلى مآوٍ قسرية. وأمام اتساع هذه الظاهرة، كثفت الأجهزة المعنية تحركاتها، لتسفر حملات لجان مكافحة التسول والتشرد عن ضبط نحو 550 حالة في دمشق وريفها خلال أشهر قليلة، بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قد أطلقت، بالتعاون مع محافظتي دمشق وريف دمشق، حملة ميدانية لمكافحة التسول والتشرد في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وفي كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد في دمشق أن 185 حالة كانت قد نُقلت إلى مراكز رعاية، بينها 13 امرأة والباقي أطفال، مع إبقاء الحالات في المراكز لفترات تراوح بين ستة أشهر وعام قبل إعادتها إلى أسرها أو تحويلها إلى دور الرعاية عند غياب الأسرة.

أثناء هذه الحملات، أزالت محافظة دمشق السيارة الزرقاء ونقلتها إلى محيط حديقة الحيوانات على أوتوستراد العدوي، ليجد الأب وابنه نفسيهما بلا جدران تقيهما أعين المارة، مضطرين لافتراش إسفلت الرصيف ليلاً.

لكن فقدان هذا الهيكل المعدني لا يروي القصة من جذورها؛ فخلف ملامح “التشرد” التي وُصم بها الرجل، تختبئ مفارقة قاسية. أبو إسحاق ليس فاقداً للمأوى بالأصل، بل يمتلك منزلاً فعلياً لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن العاصمة، غير أن طريق العودة إليه مسدود بركام دمار السنوات السابقة، ومفاتيحه ضائعة في أروقة ملف معطل يُعرف بـ”إعادة الإعمار”.

هذه المفارقة لا تخص أبا إسحاق وحده. ففي آذار/مارس 2025، قالت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إن 80% من الأسر النازحة التي شملتها تقاريرها أفادت بأن منازلها مدمرة أو متضررة بشدة، وإن نقص السكن والعمل والخدمات كان من أبرز الأسباب التي تمنع كثيراً من النازحين من العودة إلى مناطقهم.

لم يختر الرجل الستيني أرصفة دمشق طوعاً. بدأت حكايته قبل اندلاع الحرب عام 2011، حين قدم من ريف حلب ليؤسس حياة مستقرة انتهت باقتناء منزل في بلدة كفر بطنا بالغوطة الشرقية. يلخص أبو إسحاق رحلته قائلاً: “عملت خادماً للمسجد ثم حارساً للحديقة، واستطعت شراء منزلي.

لكن سرعان ما بدأت الحرب وتهجّرنا، ولم يكن عندي مكان ألجأ إليه إلا هنا. أم إسحاق تركت لي الصغير ورحلت.. وعندما استطعت العودة إلى بيتي وجدته مدمراً”.

اصطدمت محاولات الرجل للترميم بواقع اقتصادي قاسٍ، يضيف موضحاً: “حاولت إعادته على مراحل وبقدر استطاعتي، لكن ما كنت أنجزه كان يتعرض للسرقة بسبب غيابي ووجودي هنا إلى جانب ابني.. وإن شاء الله يأتي يوم ويعود كما كان”.

هذا العجز الفردي الذي يكابده أبو إسحاق لترميم جدران بيته، ينسحب على آلاف العائلات التي تُركت منازلها لمصيرها في كفر بطنا وعموم الغوطة الشرقية. فرئيس مجلس البلدة، مهند خربوطلي، يؤكد أن نسبة الدمار في كفر بطنا وحدها تقارب 25 في المئة، موضحاً أنها “تتركز في محيط المشافي والمدارس، وتحديداً في مناطق الإرشادية، ومشفى الكهف، والكرم”.

وتؤكد صور الأقمار الاصطناعية حجم الضرر الذي تعرضت له كفر بطنا ومحيطها خلال المراحل الأخيرة من الحرب في الغوطة. ففي تقييم سريع نشره معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث في آذار/مارس 2018، أظهرت صور التقطت بين كانون الأول/ديسمبر 2017 وشباط/فبراير 2018 أن 29% من المناطق التي شملها التحليل في كفر بطنا وعربين وشرق دمشق شهدت أضراراً جديدة كبيرة، شملت مباني مدمرة بالكامل أو متضررة بشدة، فيما ظهرت أضرار أخف في 24% إضافية من المناطق التي جرى تحليلها.

وتتطابق هذه التقديرات المحلية مع الخرائط الأممية التي ترصد شللاً عمرانياً أوسع. إذ توثق بيانات معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNOSAT) تضرر ودمار نحو 34,136 مبنى ومنشأة في عموم الغوطة الشرقية حتى عام 2018. وتفصل البيانات هذا الخراب بين تدمير كلي طال 9,353 مبنى، ودمار شديد أخرج 13,661 مبنى عن الخدمة، لتسجل أحياء كاملة نسب دمار قياسية تصدرها حي جوبر بـ93 في المئة، تلته عين ترما بـ73 في المئة، ثم زملكا وسقبا.

كما أظهر تقييم أممي منفصل للأضرار في آذار/مارس 2018 أن الضرر في كفر بطنا وعربين وشرق دمشق لم يكن موزعاً بالتساوي، بل تركز في جيوب تعرضت خلال أسابيع قليلة لدمار كثيف، وهو ما يساعد على تفسير الفوارق الكبيرة داخل البلدة نفسها بين أحياء بقي بعضها قابلاً للسكن وأخرى فقدت جزءاً واسعاً من مبانيها.

أمام هذه الأرقام الثقيلة التي تفوق طاقة الأهالي، تبدو استجابة المنظمات الإنسانية والمبادرات الأهلية باهتة للغاية. يصف خربوطلي تدخل المنظمات بأنه “هزيل”، مؤكداً أنه اقتصر على ترميم جزئي لنحو 15 منزلاً فقط. أما المبادرات التي تروج لأرقام طموحة، كحملة “ريفنا بيستاهل” التي أعلنت استهدافها ترميم 200 ألف منزل، فينفي رئيس البلدية وصول أي مساعدة منها قائلاً بحسم: “لم نتلقَ أي دعم من هذه الحملة حتى الآن، ولم نلمس أي أثر لها على الأرض”.

وتكشف الأرقام الوطنية اتساع الفجوة بين الحاجة وحجم التدخلات المتاحة. ففي كانون الثاني/يناير 2026، قدّرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن نحو 4.7 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى إصلاح أو إعادة تأهيل مساكنهم. وفي الاتفاق نفسه الذي أعلنته المفوضية لترميم مساكن في حرستا وريف حلب، خُصص تمويل لإصلاح نحو 470 وحدة سكنية فقط، في مثال على محدودية قدرة برامج الترميم الفردية قياساً إلى حجم الضرر المتراكم.

وفي شباط/فبراير 2026، أعلنت المفوضية أن برنامجها لإعادة تأهيل المساكن بدأ بهدف إصلاح 1,500 منزل في مختلف المحافظات، مع توسيع التقييم ليشمل 1,800 أسرة إضافية. هذه الأرقام، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام ملايين الأشخاص الذين يحتاجون إلى إصلاح مساكنهم.

اليوم، وبعد إزالة سيارتهما الزرقاء، يُمضي أبو إسحاق وابنه لياليهما على إسفلت حي العدوي. يطوي الرجل الستيني يومه خلف بسطة البسكويت، ويجهز مساحة للنوم مكشوفاً أمام أعين المارة. وعلى بعد كيلومترات قليلة، يقبع بيته في كفر بطنا تحت الركام بانتظار وعود الإعمار، بينما يفترش هو الأرصفة، وفي جيبه عقد ملكية لبيت لم يتبقَّ منه سوى الورق.