خان شيخون.. مبادرة أهلية لترميم فجوة الخدمات الطبية

حجم الخط

في مدن سورية خلّفت فيها سنوات الحرب دماراً واسعاً في البنية التحتية والمرافق الخدمية، تتزايد أهمية المبادرات الأهلية في إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، ولا سيما القطاع الصحي، الذي لا تزال منشآته تعاني أضراراً كبيرة ونقصاً في التجهيزات الطبية.

وفي مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، التي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب، أعلنت مديرية الأوقاف توقيع مذكرة تفاهم مع أحد فاعلي الخير لإنشاء مركز متخصص للتصوير والتشخيص الطبي، في خطوة تستهدف تحسين الخدمات الصحية وتخفيف أعباء التنقل عن المرضى.

وقال مدير أوقاف محافظة إدلب عبد الحميد الخلف، في تصريحات خاصة لـ”سوريا بلس”، إن المشروع سيُقام على أرض وقفية بالتنسيق مع المحافظة ومديرية الصحة، فيما يتكفل المتبرع بتكاليف البناء والتجهيز.

وأوضح أن الاتفاق يأتي ضمن جهود وزارة الأوقاف لتعزيز الدور التنموي والخيري للأملاك الوقفية، من خلال توظيفها في مشاريع صحية وخدمية، على أن يجري التنفيذ بإشراف الجهات المعنية لضمان الالتزام بالشروط الفنية والهندسية.

خان شيخون.. مدينة أنهكتها الحرب
ويأتي المشروع في مدينة كانت من بين أكثر المناطق تعرضاً للدمار في ريف إدلب الجنوبي، إذ أظهرت صور أقمار صناعية وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2019 أن نحو 75 بالمئة من مباني خان شيخون تعرضت لدمار كلي أو جزئي.

وبحسب تقرير الشبكة، الصادر في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، شمل الدمار الكامل نحو 35 بالمئة من مساحة المدينة، فيما تعرضت 40 بالمئة منها لأضرار جزئية، نتيجة العمليات العسكرية والقصف الذي شهدته المنطقة.

ولم تقتصر الأضرار على المباني السكنية، بل طالت المرافق الخدمية والبنية التحتية، ما زاد صعوبة عودة السكان واستعادة الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية.
وامتدت آثار الدمار إلى مناطق واسعة من محافظة إدلب، ولا سيما مدن وبلدات ريفها الجنوبي والشرقي، مثل معرة النعمان وسراقب، التي تواجه تحديات إعادة تأهيل المساكن وشبكات المياه والكهرباء والمرافق العامة.

القطاع الطبي.. مستشفيات مدمرة وخدمات محدودة
وكان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضرراً خلال سنوات الحرب، إذ أظهرت نتائج مسح أعلنتها وزارة الإدارة المحلية والبيئة في آب/أغسطس 2026 أن سبعة مستشفيات من أصل 23 شملها المسح في محافظة إدلب تعرضت لدمار كامل.

وبحسب النتائج، تعرض 12 مستشفى لأضرار تراوحت بين المتوسطة والشديدة، فيما سُجلت أضرار خفيفة في أربعة مستشفيات أخرى.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات التي تواجه إعادة تأهيل المنشآت الطبية في المحافظة، ولا سيما في المناطق التي شهدت عودة للسكان بعد سنوات من النزوح.

وفي السياق، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن 54 بالمئة فقط من المستشفيات السورية و39 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية كانت تعمل بكامل طاقتها مطلع عام 2025، وسط نقص في المعدات والأدوية والكوادر الطبية.

كما أشارت المنظمة إلى أن أكثر من 90 بالمئة من الأجهزة الطبية في البلاد تجاوز عمرها خمس سنوات، ما يزيد الحاجة إلى تحديث التجهيزات وتعزيز خدمات التشخيص والعلاج.

وفي ريف إدلب الجنوبي، أعادت منظمة الصحة العالمية افتتاح مركز صحي في معرة النعمان في حزيران/يونيو 2025، بعد إعادة تأهيله، في وقت كان فيه المستشفى المرجعي الرئيسي في المدينة لا يزال خارج الخدمة.

وتبرز هذه المعطيات أهمية المشاريع التي تستهدف توفير أجهزة التشخيص المتقدمة في المناطق المتضررة، بما يحد من اضطرار المرضى إلى الانتقال لمسافات طويلة للحصول على الفحوص الطبية.

تقنيات تشخيص حديثة
وبالعودة إلى مشروع خان شيخون، كشف الخلف أن المركز سيضم مجموعة من الأجهزة الطبية الحديثة، تشمل التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي المحوري، إضافة إلى التصوير البانورامي للأسنان وتصوير الثدي والأشعة الرقمية.

كما تشمل التجهيزات أجهزة قياس كثافة العظام للكشف عن هشاشتها، والتصوير بالأمواج فوق الصوتية “الإيكوغرافي”.

وأوضح أن هذه الخدمات ستستهدف المرضى في مدينة خان شيخون والقرى والبلدات التابعة لها، بما يسهم في توفير الفحوص التشخيصية بالقرب من أماكن إقامتهم، وتخفيف الوقت والجهد وتكاليف التنقل.

 

الافتتاح خلال أربعة إلى ستة أشهر
وفيما يتعلق بالجدول الزمني، رجّح الخلف بدء أعمال البناء مطلع الأسبوع المقبل، متوقعاً إنجاز المشروع وافتتاحه خلال مدة تتراوح بين أربعة وستة أشهر، وفق سير الأعمال الإنشائية واستكمال التجهيزات الفنية والطبية.

وأشار إلى أن الطاقة الاستيعابية للمركز لم تُحدد بعد، على أن تتضح بعد استكمال التجهيزات ووضع آلية التشغيل، بهدف إتاحة الخدمات لأكبر عدد ممكن من الأهالي.

خدمات مجانية ورسوم رمزية
وحول تكلفة الخدمات، أكد الخلف أن المشروع خيري بالأساس، ويهدف إلى توفير خدمات التصوير والتشخيص الطبي بأقل أعباء مالية ممكنة.

وأضاف أن التوجه يتمثل في تقديم الخدمات مجاناً قدر المستطاع، وفي حال استدعت متطلبات التشغيل فرض رسوم على بعض الفحوص، فستكون رمزية وفي حدودها الدنيا.

وأوضح أن تحديد الرسوم سيراعي الظروف المعيشية للسكان، مع ضمان استمرارية عمل المركز، دون الإعلان حتى الآن عن قائمة نهائية بتكاليف الخدمات.

إشراف حكومي ومشاريع مماثلة
وفي شأن آلية التنفيذ، قال الخلف إن محافظة إدلب ستتولى متابعة المشروع بالتنسيق مع مديريتي الأوقاف والصحة، من خلال الكوادر الهندسية والفنية المختصة.

وأضاف أن الإشراف سيشمل مراحل البناء والتجهيز، والتحقق من الالتزام بالمخططات والشروط الفنية المعتمدة، إلى جانب متابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم حتى دخول المركز الخدمة.

وكشف أن مديرية الأوقاف تعمل على برامج ومشاريع مشابهة في عدد من مناطق المحافظة، ضمن توجهات الوزارة لتوسيع الدور التنموي للأملاك الوقفية.

وأكد أهمية تعزيز الشراكات مع الجهات الحكومية والمؤسسات الخيرية والمتبرعين، والاستفادة من الأراضي الوقفية في إقامة مشاريع صحية وتعليمية وتنموية تخدم السكان.

وبينما تسعى مدن ريف إدلب الجنوبي إلى تجاوز آثار الدمار واستعادة خدماتها الأساسية، يمثل مشروع خان شيخون نموذجاً للشراكة بين المبادرات الأهلية والجهات الحكومية، في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل القطاع الصحي وتوفير خدمات طبية تتناسب مع احتياجات السكان وظروفهم المعيشية.