أبناء شهداء بلا معيل.. أمّ تناشد تأمين علاج طفلها في جسرين بالغوطة الشرقية

حجم الخط

في منزل مستأجر ببلدة جسرين في الغوطة الشرقية، تحاول أمٌّ إعالة طفليها ورعايتهما بمفردها، بعد استشهاد زوجها محمد درويش النبكي على جبهة الميدعة في الغوطة الشرقية عام 2016. وبين متطلبات الحياة اليومية واحتياجات طفلها الصحية، تتمسك الأم بأمل أن يحصل ابنها على العلاج الذي قد يساعده على المشي والاعتماد على نفسه.

محمد هادي النبكي، البالغ من العمر ثماني سنوات، يعاني ضموراً في الدماغ ناتجاً عن تشوه خلقي، وفق ما ترويه والدته. ولا يستطيع المشي، لكنه يتمتع، بحسب وصفها، بقدرة كبيرة على الاستيعاب، ويحتاج إلى رعاية مستمرة وأدوية يتناولها يومياً من دون انقطاع.

وتقول والدته إن رحلة العلاج لم تكن قصيرة، إذ راجعت أطباء عدة، وخضع طفلها لعلاجات فيزيائية وإجراءات طبية، كما أمضى فترة طويلة في مركز للأطفال. ومع ذلك، لا تزال الأسرة تبحث عن فرصة علاجية قد تمنحه قدرة أكبر على الحركة والاستقلالية.

علاج خارج سوريا.. أمل يفوق قدرة الأسرة

توضح الأم أن أحد الأطباء أشار إلى إمكانية تركيب أجهزة طبية للحوض والمفاصل، بما قد يساعد الطفل على المشي، ولو بصورة مختلفة عن أقرانه الأصحاء. لكنها تقول إن العلاج الذي تأمل الحصول عليه يتطلب السفر إلى خارج سوريا، في ظل عدم توافر الخيارات العلاجية المناسبة له داخل البلاد، بحسب ما أُبلغت به.

وتضيف أن تكاليف العلاج تحول دون قدرتها على متابعة هذه الخطوة، رغم ما بذلته من جهود خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن المساعدات التي حصلت عليها كانت محدودة، واقتصرت في بعض الأحيان على مستلزمات الأطفال والملابس والطعام والشراب.

وتقول: “ما في معيل غير الله، وبيتي إيجار”، موضحة أنها لا تتحمل مسؤولية رعاية محمد وحده، بل تعتني أيضاً بابنتها الأخرى، في ظل غياب المعيل الذي يمكن أن يساند الأسرة في تأمين احتياجاتها.

ولا تقتصر مخاوف الأم على صعوبة الحركة، إذ تشير إلى أن طفلها يتعرض لنوبات اختلاج كل يومين أو ثلاثة أيام، وتصف هذه النوبات بأنها شديدة ومخيفة، ما يزيد من قلقها على صحته ويضاعف حاجته إلى المتابعة الطبية.

منحة تعليمية توقفت.. واحتياجات مستمرة

تروي الأم أن سيدة تكفلت سابقاً بمصاريف تعليم محمد في مدرسة للمعاقين مدة تقارب ثلاث سنوات، قبل أن تتوقف المساعدة بسبب ظروف المتبرعة. ومنذ ذلك الوقت، بات الطفل يقضي وقتاً أطول في المنزل، فيما تشعر والدته بصعوبة تلبية احتياجاته التعليمية والاجتماعية إلى جانب متطلباته الصحية.

وتقول إن ابنها بات يعبّر عن رغبته في المشي، وإن الكرسي المتحرك الذي يمتلكه، على أهميته في حياته اليومية، لا يلبي طموحه في الحركة والاعتماد على نفسه.

ومع تكاليف المعيشة والإيجار والأدوية والرعاية، تجد الأم نفسها أمام مسؤوليات تفوق إمكاناتها، بعد سنوات من المحاولات للحصول على علاج مناسب، لتصبح حاجتها الأساسية اليوم الوصول إلى جهات قادرة على تقييم حالة طفلها ومساعدتها في تأمين العلاج المتخصص.

وتناشد الأم المنظمات والجهات الخيرية المعنية الوصول إلى حالة ابنها ودراسة إمكانات علاجه خارج سوريا، معربة عن أملها في أن تجد جهة تستطيع مساعدتها في معرفة الخيارات المتاحة والتكاليف المطلوبة، بما يمنح طفلها فرصة لتحسين قدرته على الحركة.

أسر الشهداء بين احتياجات المأوى والمعيشة

لا تقتصر احتياجات أسر الشهداء على المساعدات المعيشية، بل تمتد إلى المأوى والرعاية الصحية والتعليم..

وفي هذا السياق، قال رئيس بلدية جسرين، أحمد درويش، لـ”سوريا بلس” إن أبناء الشهداء وزوجاتهم وأسرهم يحظون بالأولوية في تقديم المساعدات ضمن الإمكانات المتاحة، سواء كانت عينية أو مالية، وذلك بحسب المنظمات التي تزور البلدة وتقدم الدعم.

وأوضح درويش أن البلدية تنسق في هذا المجال مع الجمعية الخيرية ومؤسسة “مبادرات” الموجودة في جسرين، مشيراً إلى أن الجمعية الخيرية، بالتنسيق مع المجلس المحلي، تقدم كفالات لأبناء الشهداء الأيتام بصورة دورية أو شبه مستمرة.

لكنه لفت إلى أن أعداد الكفالات لا تزال محدودة، ولا تكفي لتلبية الاحتياجات الشهرية الضرورية للأسر المستفيدة، في ظل حجم الاحتياجات القائمة.

وأشار رئيس البلدية إلى أن المأوى يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه أسر الشهداء في البلدة، موضحاً أن عدداً منها يقيم في منازل مستأجرة بسبب تهدم منازلها أو تعرضها للدمار، وعدم قدرتها على ترميمها.

ودعا إلى تعزيز التنسيق مع المنظمات والجمعيات لإجراء زيارات ميدانية والاطلاع على أوضاع المنازل المتضررة، وتحديد احتياجات الأسر التي تحتاج إلى الترميم أو إلى حلول سكنية مناسبة.

وأضاف أن البلدية توجه الأسر التي تطلب المساعدة إلى الجمعية الخيرية أو مؤسسة “مبادرات”، وفي حال تعذر تأمين الدعم من خلالهما، تحيلها إلى الشؤون الاجتماعية.

دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل

تعكس احتياجات الأسر التي فقدت معيلها أهمية تكامل الجهود بين المجالس المحلية والجمعيات الأهلية والمنظمات، بما يضمن تحديد الاحتياجات الفعلية وتوجيه المساعدات إلى الأسر الأكثر حاجة.

وفي ظل محدودية الكفالات والمساعدات المتاحة، تبرز الحاجة إلى دور أكبر لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في متابعة أوضاع هذه الأسر، وتنسيق الاستجابة لاحتياجاتها، ولا سيما في ملفات المأوى والرعاية الصحية والتعليم والدعم المعيشي، بالتعاون مع الجهات المحلية والجمعيات المعنية.

فالتكريم المعنوي لأسر الشهداء، على أهميته، لا يغني عن توفير دعم مستمر يتناسب مع ظروف كل أسرة واحتياجاتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفال يحتاجون إلى علاج ورعاية طويلَي الأمد، أو بأسر تعيش في منازل مستأجرة بعد تضرر مساكنها.